تراجعت حالة التفاؤل التي سادت الاروقة الرسمية في لبنان بشان قرب التوصل الى اتفاق اولي مع صندوق النقد الدولي، حيث خيمت اجواء من الترقب والحذر بعد الخطوة التي اتخذها رئيس الجمهورية بتقديم طعن امام المجلس الدستوري ضد المادة الثالثة من قانون اصلاح المصارف. واظهرت هذه الخطوة وجود انقسام حاد حول تعديلات جوهرية تتعلق بقانون النقد والتسليف، وهو ما دفع الاوساط المالية الى التحذير من تداعيات هذا المسار على التزامات لبنان الدولية.

واكد مسؤول مالي مطلع ان الخلافات تعكس صراعا سياسيا وقطاعيا محتدما حول الجهة المخولة بادارة ملف اعادة هيكلة البنوك، مبينا ان هذا النزاع مرشح للاتساع ليشمل ملفات اكثر تعقيدا مثل استعادة الاستقرار المالي وتوزيع خسائر الودائع. واشار الى ان مشروع القانون لا يزال عالقا في دهاليز الحكومة بانتظار تعديلات جوهرية وسط اعتراضات واسعة لم تحسم بعد.

وكشفت مصادر مطلعة ان صندوق النقد الدولي وجه رسائل ضمنية مفادها ربط اي اتفاق مستقبلي بالتزام لبنان الكامل بحزمة اصلاحات هيكلية، موضحة ان الصندوق يضع تنفيذ قانون معالجة اوضاع المصارف كشرط اساسي لا رجعة فيه. واضافت ان الصندوق يشدد على ضرورة اقرار قوانين واضحة لمعالجة الفجوة المالية بما يتناسب مع المعايير الدولية لضمان استدامة الدين العام في البلاد.

تحديات قانونية ومواجهة سياسية

وبين المسؤول المالي ان الوفد اللبناني الذي زار واشنطن مؤخرا حقق تقدما نسبيا في المباحثات، موضحا ان ادارة الصندوق ابدت استعدادها لتوقيع نسخة ثانية من الاتفاق الاولي قبل نهاية العام الحالي بشرط تسريع وتيرة التشريعات المطلوبة. وشدد على ان نجاح هذه المساعي مرهون بقدرة السلطات اللبنانية على تجاوز العقبات السياسية التي تعرقل اقرار قانون الفجوة المالية.

واوضح ان الطعن المقدم يعيد طرح تساؤلات حول دور المجلس الدستوري في الرقابة على القوانين، مشيرا الى ان هذا التحرك قد يفتح الباب امام ابطال مواد اخرى يراها البعض مخالفة للدستور. واضاف ان هذا الوضع يعزز المخاوف من العودة الى نقطة الصفر في وقت تحتاج فيه البلاد الى قرارات جريئة وسريعة لانقاذ ما يمكن انقاذه من النظام المالي.

وذكرت مصادر متابعة ان حسم المجلس الدستوري للطعن سيحدد بشكل نهائي مرجعية اعادة هيكلة المصارف، مؤكدة ان هذا القرار سيؤثر بشكل مباشر على كيفية توزيع الخسائر وتحديد سقف الودائع المضمونة. واوضحت ان التوجه العام يميل الى تقليل الاعتماد على الاموال العامة في ردم الفجوة المالية، وهو ما يفرض تحديات كبيرة على الحكومة والمجلس النيابي.

مستقبل الودائع ومخاوف النظام المصرفي

واكدت تقارير مالية ان التمسك بقانون النقد والتسليف يهدف الى حماية استقلالية البنك المركزي، مبينة ان هناك صراعا حول الصلاحيات الممنوحة للهيئة المصرفية العليا التي قد تتخذ قرارات احادية. واضافت ان المخاوف تتركز حول مصير حقوق المودعين والمساهمين في ظل غياب ضمانات واضحة في النصوص المقترحة.

وبينت التحليلات ان لبنان يعيد اليوم تجربة مماثلة لما جرى في عام 2022، موضحة ان عدم الالتزام بالاصلاحات في السابق ادى الى تجميد المفاوضات. واشارت الى ان العهد الجديد والحكومة الحالية امام اختبار حقيقي لاثبات جديتهم في الانخراط بعملية اصلاح شاملة تعيد الثقة الى القطاع المالي المنهار.

واضافت ان الازمات المتلاحقة التي عصفت بالبلاد على مدار سبع سنوات تتطلب مقاربة مختلفة لا تعتمد على المسكنات، موضحة ان الاتفاق مع صندوق النقد ليس مجرد رقم مالي بل هو خارطة طريق لاستعادة التوازن في اقتصاد يعاني من انكماش حاد وتضخم مرتفع.