كشف تقرير حديث صادر عن البنك الدولي عن توقعات طموحة لمستقبل اقتصادات منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا وافغانستان وباكستان مشيرا الى امكانية تحقيق قفزة نمو قوية تصل الى 7.8 في المائة خلال العام القادم في حال نجحت الجهود الدبلوماسية في تهدئة وتيرة الصراعات الاقليمية الراهنة التي القت بظلالها الثقيلة على سلاسل الامداد وحركة الطاقة العالمية. واظهرت التحليلات الاقتصادية ان المنطقة تمر بمرحلة انتقالية حرجة عقب انكماش اقليمي ملموس تأثرا بتعطل الملاحة في الممرات الحيوية وتراجع عوائد الصادرات النفطية نتيجة الاضطرابات الجيوسياسية التي اربكت حسابات الاسواق المالية والسياحية.

واكد التقرير ان التوقعات الحالية تشهد تباينا واسعا مقارنة بالتقديرات السابقة حيث انتقلت نظرة المؤسسات الدولية من التفاؤل الحذر الى الحيطة في ظل تداعيات تفاقم ازمة مضيق هرمز التي قلبت موازين الطاقة التقليدية وغيرت قواعد اللعبة الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي. وبين البنك الدولي ان ارتفاع اسعار النفط لم يعد كافيا لتعويض الخسائر الناتجة عن انخفاض كميات الخام المصدرة مما فرض ضغوطا مالية غير مسبوقة على الميزانيات العامة لدول المنطقة.

واوضح الخبراء ان الاقتصادات المستوردة للنفط ابدت مرونة لافتة في مواجهة الصدمات العالمية مقارنة بنظيراتها المصدرة وذلك بفضل تنوع قاعدتها الاقتصادية والتركيز على قطاعات الخدمات واللوجستيات. وشدد الباحثون على ان استمرار الاضطرابات في سلاسل الشحن الدولية ساهم بشكل مباشر في زيادة تكاليف الاستيراد مما وضع ضغوطا تضخمية اضافية على اسعار المواد الغذائية والسلع الاساسية للمواطنين.

مسارات التعافي المالي والسياسات الهيكلية

واشار التقرير الى ان المملكة العربية السعودية تسير بخطى مدروسة نحو استعادة مسار التعافي الاقتصادي رغم التحديات الاقليمية حيث يتوقع الخبراء تحسنا تدريجيا في رصيد الحساب الحالي وانخفاض العجز المالي مع بدء انحسار اثار الصدمات الخارجية. واضاف التقرير ان السياسات المالية المتبعة تهدف الى حماية المكتسبات التنموية وتعزيز استدامة الناتج المحلي الاجمالي عبر استثمارات نوعية في قطاعات الهيدروكربونات والبنية التحتية المتطورة.

وتابعت التحليلات ان الدول التي تمتلك هوامش مالية قوية قادرة على تجاوز هذه المرحلة من خلال اعادة توجيه الانفاق نحو القطاعات الاكثر انتاجية وتوسيع قاعدة القطاع الخاص لتقليل الاعتماد على الموارد المتذبذبة. وبينت المؤشرات ان استقرار الاوضاع الجيوسياسية سيمهد الطريق امام تدفق الاستثمارات الاجنبية المباشرة مجددا وهو ما سيعزز من قدرة المنطقة على استعادة زخم النمو الاقتصادي المفقود.

واكدت الدراسات ان الاقتصادات الاكثر هشاشة في المنطقة تواجه تحديات مضاعفة تتعلق بمستويات الفقر التي لا تزال تتجاوز معدلات ما قبل الجائحة مما يتطلب تدخلا دوليا عاجلا لحماية الفئات الاكثر احتياجا. واضاف المتخصصون ان تعزيز شبكات الامان الاجتماعي ودعم اسواق العمل المحلية يعد ركيزة اساسية لمنع تحول الصدمات المؤقتة الى خسائر هيكلية طويلة الامد في رأس المال البشري.

الذكاء الاصطناعي كمحرك للنمو المستقبلي

وكشفت التقديرات الاقتصادية ان تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة ذهبية لتعزيز الانتاجية في المنطقة بنسب تتراوح بين 13 و20 في المائة مما يفتح افاقا جديدة للابتكار وتوفير فرص عمل نوعية للشباب. واوضحت البيانات ان الاثر الايجابي للتحول الرقمي سيتجاوز مخاطر الاتمتة اذا ما تم الاستثمار بشكل صحيح في تطوير المهارات الرقمية والبنية التحتية التكنولوجية المتكاملة.

وبين التقرير ان التعاون الاقليمي بين دول المنطقة يمكن ان يسرع من وتيرة التحول الرقمي حيث يمكن للدول الرائدة مشاركة خبراتها في حوكمة البيانات وتطوير النماذج مع بقية الدول. واضافت التوصيات ان اعتماد ادوات الذكاء الاصطناعي الصغير يمكن ان يسهم في تحسين الخدمات العامة في الدول النامية والهشة مما يحقق نموا اقتصاديا شاملا ومستداما.

واختتم الخبراء تقريرهم بالتأكيد على ان مستقبل المنطقة مرهون بقدرتها على معالجة مواطن الضعف الهيكلية والاستثمار المكثف في رأس المال البشري. واكدوا ان تحقيق التنمية المستدامة يتطلب تضافر الجهود السياسية والاقتصادية لضمان بيئة مستقرة تتيح للاجيال القادمة الاستفادة من الفرص العالمية المتاحة في ظل الثورة التكنولوجية المتسارعة.