شهدت مدن فرنسية تحركات احتجاجية واسعة النطاق اليوم شارك فيها طلاب ومعلمون واولياء امور للمطالبة بتحسين ظروف العملية التعليمية وتوفير الموارد اللازمة. واغلقت مجموعات من المحتجين مداخل مئات المدارس في خطوة تصعيدية تعكس حجم الاستياء الشعبي من تدهور المرافق التعليمية ونقص الكوادر التدريسية. واظهرت المشاهد الميدانية اتساع دائرة الاحتجاجات من ضواحي باريس لتشمل مدنا كبرى مثل ليون ومرسيليا وستراسبورغ في ظل مطالب ملحة باصلاح المباني المتهالكة.
وكشفت وزارة الداخلية عن توقيف عدد كبير من المشاركين في الاحتجاجات معظمهم من القاصرين وسط تحذيرات من تفاقم الوضع. واوضحت تقارير محلية ان وزارة التعليم اضطرت لتعليق الدراسة في مئات الثانويات بسبب غياب شروط السلامة الملائمة للطلاب. واكد المحتجون ان استمرار اكتظاظ الفصول الدراسية وغياب البدلاء للمعلمين يخلقان فجوات معرفية تؤثر بشكل مباشر على مستقبل الاجيال الناشئة.
وبين الخبير الاقتصادي كميل الساري ان الازمة التعليمية في فرنسا لا تنفصل عن التحديات المالية التي تواجه البلاد. واضاف ان نقص البدلاء يترك الطلاب لفترات طويلة دون دروس في مواد اساسية مما يفاقم من سوء الاداء الدراسي. وشدد على ضرورة التحرك السريع لصيانة المرافق وتوفير بيئة تعليمية تليق بالطلاب بعد سنوات من تراجع الاستثمار في هذا القطاع الحيوي.
ضغوط الموازنة والديون السيادية
واظهرت بيانات معهد الاحصاء الفرنسي ان الديون السيادية للبلاد تجاوزت مستويات قياسية مما يضيق هامش الانفاق الحكومي على الخدمات العامة. واكدت الحكومة سعيها لخفض عجز الموازنة في ظل ارتفاع كلفة الاقتراض وتجاوز عوائد السندات مستويات لم تشهدها البلاد منذ عقود. واوضحت وزارة الموازنة ان الديون المتراكمة منذ ازمة الجائحة تفرض اعباء اضافية على الخزينة العامة.
واضافت المصادر الاقتصادية ان ضخامة الديون تدفع الدولة الى تقليص وظائف القطاع العام بشكل عام. واكد الساري ان سياسة عدم تعويض المتقاعدين في سلك التعليم اصبحت تشكل ضغطا كبيرا على استقرار الفصول الدراسية. وبينت تقارير ان المعارضة السياسية تحاول استغلال هذه الازمة لطرح رؤى بديلة تهدف الى طمأنة المستثمرين وخفض العجز في السنوات المقبلة.
وكشفت وثائق الموازنة الجديدة عن توجه لخفض عدد وظائف المعلمين بدوام كامل رغم وجود زيادة طفيفة في المخصصات المالية الاجمالية للقطاع. واوضحت الوزارة ان هذا التوجه ياتي تماشيا مع توقعات انخفاض اعداد الطلاب في بعض المناطق. واكدت ان التوظيف الجديد سيركز على دعم الطلاب ذوي الاعاقة والوظائف الاجتماعية والتربوية المساندة.
تفاوت الفرص واجور المعلمين
واظهرت دراسات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ان نسبة رضا المعلمين في فرنسا عن رواتبهم تعد من بين الادنى مقارنة بدول اخرى. واكد الساري ان تجميد الاجور مع ارتفاع تكاليف المعيشة جعل مهنة التدريس اقل جاذبية للكفاءات الشابة. واضاف ان هذا الوضع يؤدي الى هجرة المعلمين للقطاعات الاخرى وتفاقم ازمة النقص في المدارس العامة.
وبينت البيانات ان الاسر الفرنسية الميسورة بدات تتجه نحو التعليم الخاص هربا من مشاكل المدارس العامة المتهالكة. واكد الخبير ان هذا التوجه يعمق الفوارق الطبقية بين الطلاب حيث تفتقر الاسر الفقيرة للبدائل المتاحة لتعويض نقص المدرسين. واضاف ان ارتباط الالتحاق بالمدارس بمناطق السكن يكرس تهميش بعض الفئات ويحرمهم من فرص تعليمية متكافئة.
وذكرت وزارة التعليم انها اطلقت منصة حوارية لاستقبال مقترحات الطلاب حول الصعوبات اليومية التي يواجهونها. واكد رئيس الوزراء الفرنسي ضرورة ايجاد حلول عاجلة لتعويض المدرسين الغائبين واصلاح المباني قبل نهاية الشهر. وشدد الساري على اهمية التركيز على مهارات القراءة والكتابة والتعليم التقني لربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل المستقبلية.
