يواجه الاقتصاد الفرنسي مرحلة بالغة الحساسية وسط تزايد المخاوف من انزلاق البلاد نحو حلقة مفرغة من الركود والديون المتراكمة. وتؤكد المعطيات الحالية أن حالة عدم اليقين التي تسيطر على المشهد السياسي والمالي لم تعد مجرد أزمة عابرة بل باتت عائقا مباشرا يكبل حركة الاستثمار ويضعف معدلات النمو في وقت تشتد فيه الحاجة إلى سياسات اقتصادية حازمة.

واظهرت المؤشرات الاقتصادية الاخيرة ان النشاط في فرنسا كاد ان يتوقف تماما خلال الربع الثاني من العام الحالي. وبينت التقارير ان هذا التباطؤ جاء نتيجة تضافر عوامل داخلية وخارجية بدءا من تضرر القطاع الزراعي بسبب موجات الحر وصولا الى التداعيات المباشرة لارتفاع اسعار الطاقة التي القت بظلالها على الانتاج القومي.

واكد خبراء الاقتصاد ان المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف الثقة لدى المستثمرين الذين ابدوا قلقا متزايدا تجاه مشروع الموازنة الجديد. واضاف هؤلاء ان عوائد السندات الفرنسية بدأت تقترب من مستويات حرجة مما يضع الحكومة امام تحديات صعبة في ظل برلمان منقسم يجعل من تمرير الاصلاحات المالية مهمة شبه مستحيلة منذ الانتخابات البرلمانية المبكرة الاخيرة.

تحول في موازين القوى الاقتصادية داخل اوروبا

وكشفت التحليلات الاقتصادية عن انقلاب لافت في الادوار بين القوى الاوروبية الكبرى. واوضحت ان المانيا بدأت تستعيد توازنها الصناعي وتدفع عجلة النمو عبر زيادة الانفاق الحكومي في الوقت الذي فقدت فيه فرنسا زخمها المعتاد لتصبح نقطة ضعف في استقرار منطقة اليورو.

وذكرت بيانات المعهد الوطني للاحصاء ان استثمارات الشركات ظلت تراوح مكانها دون نمو يذكر منذ العام الماضي. واضافت ان حالة الانتظار والترقب التي تفرضها الشركات بسبب ضبابية السياسات الضريبية والتنظيمية ادت الى انكماش الاستثمار في الربعين الاول والثاني من العام الجاري بشكل متتال.

وبينت استطلاعات الرأي بين مجتمع الاعمال ان هناك تشاؤما واسع النطاق حيال السياسات الحكومية القادمة. وشدد اصحاب الشركات على ان استمرار الوضع الراهن يهدد كياناتهم بالافلاس خلال السنوات الخمس المقبلة ما يعكس عمق الازمة التي لم تعد تقتصر على الارقام المالية بل امتدت لتشمل تراجع ثقة الاسر في سوق العمل.

تفاقم ازمة الديون العامة والخيارات المحدودة

واكد محللون ان العلاقة بين السياسة والاقتصاد تحولت الى حلقة سلبية تغذي نفسها بنفسها. واوضحوا ان ضعف النمو يجعل من الصعب على الحكومة تقديم اي تقدم ملموس مما يؤدي بدوره الى تعميق حالة عدم اليقين وهروب رؤوس الاموال بعيدا عن الاسواق الفرنسية.

وارتفع الدين العام الفرنسي ليصل الى مستويات قياسية تناهز 119 بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي. واضافت التقارير ان هذه الارقام تقترب بشكل مخيف من مستويات الازمات المالية الكبرى وتتجاوز بضعف المعايير المحددة داخل الاتحاد الاوروبي مما يضع الحكومة في مأزق الاختيار بين التقشف القاسي او الاستمرار في الاقتراض المكلف.

واشارت تقديرات الخبراء الى ان تكاليف الاقتراض المرتفعة تزيد من الضغوط على الميزانية العامة. واكدت ان تأجيل المعالجة الحقيقية للازمة لن يؤدي الا الى تفاقم الدين العام وتمديد فترة عدم اليقين التي تخنق الاقتصاد الفرنسي ببطء.

مستقبل غامض ومؤشرات متباينة

وكشفت التوقعات السياسية ان الانتخابات الرئاسية المقبلة قد لا تكون المخرج من هذه الازمة. واوضحت ان الانقسام السياسي قد يستمر حتى بعد تلك الانتخابات مما يعني بقاء حالة الشلل في اتخاذ القرارات الاقتصادية الحاسمة لفترة اطول.

ورغم هذه الصورة القاتمة اشارت بعض المؤشرات الى بارقة امل طفيفة. وبينت ان مؤشر مديري المشتريات سجل عودة طفيفة نحو النمو في شهر سبتمبر الماضي كما ان قطاع الصناعة ابدى بعض الصمود رغم التحديات الكبيرة التي تواجه سلاسل الامداد.

واختتم المحللون بالقول ان هذه التحسنات المحدودة لا يمكن اعتبارها تعافيا شاملا. وشددوا على ان العودة الى معدلات نمو مستقرة تتطلب معالجة جذرية لعدم اليقين السياسي الذي يظل العقبة الاكبر امام استعادة الثقة في الاقتصاد الفرنسي.