تتزايد المخاوف الاقتصادية في القارة الاوروبية مع تصاعد ازمة الديون السيادية التي بدات ملامحها تظهر بوضوح في فرنسا، حيث حذر خبراء ماليون من ان هذا الاضطراب قد يتحول الى عدوى تنتقل سريعا الى دول اخرى تعاني من ظروف هيكلية مشابهة. واظهرت المؤشرات الاخيرة ان سوق السندات الاوروبية بات يعيش حالة من القلق البالغ، وسط تساؤلات حول قدرة الحكومات على مواجهة تكاليف الاقتراض المتصاعدة في ظل غياب رؤية اصلاحية شاملة. واكد مراقبون ان فرنسا ليست وحدها في هذا المازق، بل ان دولا اخرى تواجه ضغوطا مماثلة تهدد استقرارها المالي على المدى القريب.

وكشفت البيانات ان ايطاليا تواجه تحديات جسيمة، حيث تجاوزت نسبة الديون العامة لديها حاجز المئة وتسعة وثلاثين بالمئة من الناتج المحلي الاجمالي، وهي ارقام تفوق ما وصلت اليه فرنسا حاليا. واضاف المحللون ان ارتفاع عوائد السندات الايطالية يرفع من تكلفة خدمة الدين، مما يضغط على الموازنة العامة ويقلص مساحة المناورة الحكومية. وبينت التقارير ان رومانيا تعاني ايضا من قفزات قياسية في تكاليف الاقتراض، بينما تتجه التشيك نحو زيادة كبيرة في عجز الموازنة للعام المقبل، مما دفع عوائد سنداتها الى مستويات لم تسجل منذ سنوات طويلة.

فشل السياسات المالية في مواجهة الازمات

واوضح الخبراء ان الاتحاد الاوروبي اخفق في معالجة تداعيات الازمات الجيوسياسية الكبرى، بدءا من التوترات العسكرية وصولا الى ازمات الطاقة ونقص الامدادات. واضافوا ان الضغوط المالية تدفع العواصم الاوروبية للمطالبة بتخفيف قواعد الانفاق، وهو ما تفعله روما التي تطالب بتعديلات جوهرية في سياسات الاتحاد للسماح لها بزيادة الانفاق العام. وشدد المراقبون على ان غياب التضامن المالي في اوقات الرخاء يجعل من الصعب على الدول الاعضاء مواجهة الصدمات الاقتصادية المفاجئة بشكل جماعي.

وذكر المحللون ان اسبانيا حاولت تعويض التباطؤ من خلال الاعتماد على تدفقات المهاجرين لدعم النمو الاقتصادي، الا ان هذا الاجراء لم يرافقه اصلاح مالي هيكلي حقيقي. واكدوا ان الحكومات الاوروبية تقع في فخ الموازنة بين متطلبات الناخبين وضرورات التقشف الصارمة، مما يجعل المستثمرين يبتعدون عن الاسواق التي تفتقر الى الشفافية والجدية في الاصلاح. وبين ان غياب الحلول الجذرية لملفات الرعاية الاجتماعية والهجرة يفاقم من حالة عدم اليقين لدى المؤسسات المالية الدولية.

تحدي شيخوخة السكان والنمو المتعثر

واظهرت الدراسات ان شيخوخة السكان في اوروبا تشكل القنبلة الموقوتة التي تهدد الملاءة المالية للقارة، حيث تتزايد نفقات الرعاية الصحية ومعاشات التقاعد بشكل يفوق قدرة الاقتصادات على التمويل. واضاف الخبراء ان الاسواق المالية تنظر الى اوروبا كقارة ترفض التصالح مع واقعها الديموغرافي المتغير، وتستمر في الانفاق بمستويات لا تتناسب مع قدراتها الانتاجية الحالية. واكدوا ان النمو الذي تحققه بعض الدول يبقى هشا وغير مستدام ما لم يقترن باصلاحات هيكلية تعيد التوازن للموازنات العامة.

وكشفت التقديرات ان السياسيين في اوروبا يجدون صعوبة بالغة في مصارحة شعوبهم بضرورة اتخاذ تضحيات اقتصادية مؤلمة، مما يفتح الباب امام وعود شعبوية لا يمكن تنفيذها على ارض الواقع. واضافوا ان المستثمرين فقدوا الثقة في قدرة الحكومات على تغيير انظمة الرعاية الاجتماعية المتهالكة، والتي اصبحت عبئا ثقيلا على كاهل الاجيال الشابة. وبينوا في الختام ان اوروبا تنفق اليوم وكأنها في ريعان شبابها، متجاهلة التبعات الخطيرة لهذا السلوك المالي غير المنضبط على مستقبل استقرارها الاقتصادي.