استيقظ الشارع العراقي على واقع اقتصادي جديد ومثير للقلق بعد قرار السلطات خفض سعر صرف الدينار ليصل الى 1520 دينارا مقابل الدولار الواحد بدلا من 1320. هذه الخطوة التي جاءت وسط ظروف مالية معقدة اشعلت حالة من الغضب الشعبي الواسع ودفعت العديد من المحال التجارية في مختلف المحافظات الى اغلاق ابوابها تحسبا لتقلبات السوق. وبينما يترقب المواطنون انعكاسات هذا القرار على حياتهم اليومية سجلت السوق الموازية قفزة كبيرة في سعر الدولار ليتجاوز حاجز 1900 دينار مما زاد من حدة التوتر في الاوساط الاقتصادية والاجتماعية.

واضافت هذه التطورات اعباء اضافية على كاهل المواطن الذي يئن اصلا تحت وطاة ضغوط معيشية متزايدة مع توقعات بارتفاع اسعار المواد الغذائية والسلع الاساسية المستوردة. واكد خبراء ان خفض قيمة العملة بنسبة تصل الى 13 بالمئة سيؤدي بشكل مباشر الى تضخم في تكاليف النقل والخدمات في وقت تتداول فيه تقارير عن توجه حكومي لرفع سعر لتر البنزين العادي ليصل الى 850 دينارا بدلا من 450 دينارا مما يهدد بموجة غلاء جديدة.

واشار مراقبون الى ان القرار تزامن مع تحركات برلمانية واسعة للمطالبة بمساءلة الجهات المعنية حيث دعا نواب الى عقد جلسة طارئة لاستضافة وزير المالية ومحافظ البنك المركزي لمناقشة تداعيات هذا الاجراء. وشدد هؤلاء النواب على ضرورة تدارك حالة الارباك الحاصلة في الاسواق قبل ان تتفاقم الازمات وتؤدي الى تآكل الدخل المحدود للمواطنين في ظل اقتصاد يعتمد بشكل كلي على الاستيراد.

تحديات الاستيراد وهشاشة الهيكل الاقتصادي

واوضحت استاذة الاقتصاد سهام يوسف ان خفض سعر الصرف في بلد يعتمد على النفط في توليد الدولار لا يحقق النتائج المرجوة كما يحدث في الدول الصناعية. وبينت ان الاقتصاد العراقي يفتقر الى قاعدة تصديرية متنوعة يمكنها الاستفادة من انخفاض العملة لزيادة التنافسية. واكدت ان النتيجة المباشرة ستكون ارتفاع تكلفة السلع ومدخلات الانتاج مما سيؤدي في نهاية المطاف الى تحميل المواطن فاتورة الاختلالات المالية دون وجود حلول جذرية للازمة.

وكشفت مسودة الموازنة الجديدة عن ارقام مقلقة حيث يبلغ العجز المالي نحو 43 تريليون دينار رغم الاعتماد على فرضيات تصدير طموحة بـ 4 ملايين برميل يوميا. واضافت يوسف ان الموازنة لا تزال رهينة تقلبات اسعار النفط والاضطرابات الاقليمية التي قد تعطل الصادرات. واوضحت ان سعر التعادل المالي المطلوب لتغطية النفقات بعيد جدا عما افترضته الحكومة مما يعني استمرار الحاجة الى تمويلات اضافية.

واكدت ان بنية الانفاق الجاري تلتهم الجزء الاكبر من الموازنة حيث تذهب مبالغ ضخمة لتعويضات الموظفين والرعاية الاجتماعية وخدمة الدين. واضافت ان تراجع الانفاق الاستثماري يضعف فرص النمو الاقتصادي ويجعل الحكومة عاجزة عن ايجاد بدائل حقيقية لتنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط الذي يشكل العمود الفقري للايرادات.

تحذيرات من استمرار الاعتماد على النفط

وذكر الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي ان الحكومة لم تقم باصلاحات هيكلية حقيقية في موازنتها الجديدة. وبين ان الانفاق التشغيلي لا يزال يستحوذ على 78 بالمئة من اجمالي الموازنة مقابل نسبة ضئيلة للجانب الاستثماري. واكد ان رفع سعر الصرف هو وسيلة للحصول على دنانير اكثر للخزينة لكنها تتم على حساب القدرة الشرائية للمواطن.

واشار الهاشمي الى ان استمرار التوسع في التعيينات الحكومية يفاقم من الازمة المالية بدلا من ضبط الجهاز الاداري. واوضح ان الاعتماد على الايرادات النفطية لا يزال يمثل 83 بالمئة من اجمالي دخل الدولة مما يجعل الاقتصاد الوطني شديد الحساسية لاي تقلبات خارجية. واكد ان اي اجراء مالي لا يرافقه ضبط للانفاق العام سيبقى مجرد مسكنات مؤقتة لازمة اقتصادية هيكلية.

وكشفت الارقام المحدثة ان سعر الدولار الرسمي اصبح 1520 دينارا في حين وصل في السوق الموازية الى 1900 دينار. واضافت البيانات ان العجز في الموازنة تجاوز 43 تريليون دينار مع افتراض سعر برميل نفط 58 دولارا. واكدت التقارير ان استمرار هذا النهج في ادارة المالية العامة يعمق الفجوة بين الايرادات والنفقات ويضع البلاد امام تحديات اقتصادية صعبة في المرحلة القادمة.