يعيش مزارعو النخيل في قطاع غزة واقعا مريرا مع حلول موسم جني البلح الذي تحول من مصدر للرزق والخير إلى رحلة بحث عن بقايا ثمار وسط الدمار. كشفت المعطيات الميدانية عن تعرض مساحات شاسعة من المزارع لعمليات تجريف ممنهجة خاصة في المناطق الشرقية للقطاع مما أدى إلى فقدان آلاف الأشجار وتضرر البنية التحتية الزراعية بشكل شبه كامل. واضاف مزارعون أن غياب مقومات الزراعة الأساسية مثل المياه والأسمدة والمبيدات فاقم من معاناة القطاع الذي كان يمثل ركيزة اقتصادية هامة لآلاف الأسر والعائلات.
واكد عاملون في هذا المجال أن سلسلة الإنتاج التي كانت تشمل التلقيح والقطف والتصنيع المنزلي للعجوة والدبس قد توقفت عمليا نتيجة القيود الأمنية الخانقة وصعوبة الوصول إلى الأراضي الزراعية. وبينت التقارير أن العديد من المزارع تحولت إلى مراكز لإيواء النازحين مما جعل العناية بالأشجار أمرا مستحيلا في ظل تكدس الخيام بين الجذوع. واشار المتضررون إلى أن بعض المزارع فقدت أكثر من نصف أشجارها بسبب القصف المباشر وانهيار المباني المجاورة فوق المحاصيل.
واوضح مزارعون أن دير البلح التي كانت توصف بقلعة النخيل باتت تعاني من تراجع حاد في أعداد الأشجار المثمرة نتيجة الاستهداف المستمر. وشدد أصحاب المزارع على أن المتبقي من النخيل لا يجد من يرعاه بسبب فقدان الأدوات والمعدات اللازمة للخدمة الزراعية. واظهرت المشاهد الميدانية أن الخيام والمخلفات الناتجة عن الحرب أصبحت تشكل عائقا إضافيا يمنع المزارعين من ممارسة عملهم الدوري في جني الثمار.
تراجع الإنتاج وجودة المحصول تحت الضغط
واظهرت التقديرات تراجعا مخيفا في حجم الإنتاج حيث انخفض متوسط إنتاج النخلة الواحدة إلى مستويات دنيا مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب. وبين عاملون أن انتشار الآفات الزراعية وعلى رأسها سوسة النخيل الحمراء تسبب في إتلاف كميات كبيرة من المحصول المتبقي. واضافوا أن الإصابات الجسدية التي لحقت بالعمال والذين فقد بعضهم أطرافه جعلت من مهام التسلق والخدمة الشاقة أمرا يفوق قدرتهم البدنية الحالية.
واكد مختصون أن كميات البلح المتوفرة في الأسواق لا تتجاوز 15 بالمئة من مستويات الإنتاج المعتادة في المواسم السابقة. واوضحت البيانات أن فترة الموسم التي كانت تمتد لأسابيع طويلة تقلصت بشكل كبير نتيجة تدمير ثلاجات التخزين ومرافق التسويق. واشار المزارعون إلى أن انهيار القدرة الشرائية للسكان جعل بيع المحصول عملية خاسرة لا تغطي حتى تكاليف العمالة البسيطة للقطف.
واضاف المزارعون أن سعر الكيلو الواحد انخفض إلى مستويات زهيدة لا تمكنهم من الاستمرار في العمل أو العناية بما تبقى من أشجار. وبينوا أن غياب الأفق لإعادة تأهيل الأراضي وتوفير مستلزمات الزراعة يضع مستقبل هذه المهنة العريقة في مهب الريح. وشددوا على أن نجاة ما تبقى من أشجار النخيل يتطلب تدخلا عاجلا وتأمينا لمصادر المياه والخدمات الأساسية.
موسم الخير يتحول إلى عبء اقتصادي
وكشفت التقديرات الرسمية أن حجم الخسائر التي تكبدها القطاع الزراعي في غزة تجاوزت مليارات الدولارات نتيجة الحرب المستمرة. واظهرت الأرقام أن هذه الخسائر تتوزع بين أضرار مباشرة في الأراضي والأشجار وأخرى غير مباشرة تتعلق بتوقف سلاسل التوريد والإنتاج. واضاف مزارعون أن صنف الحياني الشهير الذي كان يغطي احتياجات السوق المحلي ويصدر للخارج بات مهددا بالزوال.
واكد العاملون في القطاع أن إحياء زراعة النخيل يتوقف على وقف التجريف وتأمين وصول المزارعين إلى أراضيهم بشكل آمن. وبينوا أن الحاجة ماسة لإعادة بناء مرافق التخزين التي تعد العمود الفقري لاستدامة المحصول. واشاروا إلى أن كل نخلة باقية تعتبر شاهدا على حجم الدمار الذي لحق بقطاع الزراعة وقدرة المزارع الغزي على الصمود.
واضاف المزارعون أنهم يواجهون تحديات وجودية تتجاوز مجرد خسارة الموسم لتصل إلى تهديد مصدر عيشهم الوحيد. وشددوا على أن استمرار الوضع الحالي يعني فقدان غزة لجزء أصيل من هويتها الزراعية وتراثها الاقتصادي. واوضحت المعطيات أن التعافي يتطلب جهودا جبارة لإزالة الركام وتطهير الأراضي من مخلفات الحرب وإعادة تأهيل التربة والأنظمة المائية.
