وجدت هند المصري طريقها للعودة الى عالم الخياطة بعد انقطاع دام خمسة وعشرين عاما بسبب التزاماتها العائلية، حيث انضمت الى مشغل تديره جمعية سيدات راس المتن في جبل لبنان. كشفت هذه التجربة عن رغبة ملحة لدى الكثير من النساء في استعادة مهاراتهن المهنية وتأمين دخل مادي يساعدهن على مجابهة الضغوط الاقتصادية المتزايدة في البلاد. واضافت هند ان العمل رغم تواضع اجره مقارنة بغلاء الاسعار، يمثل لها متنفسا حقيقيا للمساهمة في اعباء المنزل واستعادة ثقتها بقدراتها الانتاجية. واكدت ان هذه الخطوة لم تكن لتتحقق لولا وجود مساحة عمل مهنية قريبة توفر البيئة المناسبة للعودة الى سوق الشغل.

فرص عمل وتحديات معيشية

وبينت التجربة ان المشروع الذي افتتحته الجمعية قبل احد عشر شهرا لا يقتصر على الخياطة فحسب، بل يمتد ليشمل مركزا للرعاية الصحية ومجموعة فنية متنوعة. واوضحت ندى حسن، العضو في الهيئة الادارية للجمعية، ان المشغل بدأ بالفعل في تنفيذ طلبيات تشمل الالبسة والزي المدرسي مستعينا بخبرات عاملات سابقات. واضافت ان الجمعية تطمح الى توسيع نطاق الانتاج ليشمل عددا اكبر من النساء، معتمدة في ذلك على الدعم المجتمعي وطلبيات الزبائن المحليين. وشددت على ان هذه المبادرات تعد ضرورة ملحة في ظل ارتفاع معدلات البطالة بين النساء في لبنان، حيث تختار غالبيتهن البقاء خارج القوى العاملة بسبب الاعباء المنزلية.

ذاكرة فنية وموارد مستدامة

وكشفت الجمعية عن امتلاكها مجموعة فنية تضم قرابة مئة وثمانين لوحة لفنانين محليين وعرب، وهي نتاج ملتقيات ابداعية نظمتها على مدار سنوات طويلة. واضافت ادارة الجمعية انها تدرس حاليا خيارات لاستثمار هذه الاعمال الفنية في توفير موارد مالية تدعم استمرارية المشاريع الخدمية الاخرى. وبينت ان التحدي الاكبر يكمن في ايجاد مساحة عرض مناسبة لهذه اللوحات، لذا يتم العمل حاليا على تجهيز طابق اضافي يتيح للزوار الاطلاع على هذا الارث الفني. واكدت ان الموازنة بين الحفاظ على قيمة الفن وتأمين احتياجات المجتمع هي المعادلة الصعبة التي تحاول الجمعية تحقيقها بكل مهنية.

رعاية صحية وتطلعات مستقبلية

واظهر المركز الصحي التابع للجمعية نجاحا لافتا في تقديم خدمات طبية متنوعة تشمل اختصاصات القلب والاطفال والعيون، ليخدم بذلك نحو خمسين قرية محيطة. واوضحت الادارة ان المركز يقدم خدماته بأسعار رمزية تراعى فيها الظروف المعيشية الصعبة للمراجعين، مع الاعتماد على تبرعات ومساعدات خارجية لتوفير الادوية والمستلزمات الطبية. واضافت ان تأمين الطاقة الشمسية واجهزة الفحص المتطورة كان بفضل مبادرات فردية ومساهمات خيرية. وشدد القائمون على المركز ان ضمان استمرارية هذه الخدمات يتطلب دعما مستداما لتغطية النفقات التشغيلية وصيانة المعدات بشكل دوري.

رهان الجمعية على الاستمرار

وبينت منى غزال، رئيسة الجمعية، ان هذه المشاريع هي ثمرة عمل بدأ منذ اربعين عاما في غرفة صغيرة، وتطورت لتصبح ركيزة اساسية في حياة سكان المنطقة. واضافت ان الجمعية تستعد لاحياء ذكرى تأسيسها عبر حملات تبرع تهدف لضمان بقاء المشغل والمركز الصحي في خدمة المجتمع. واكدت ان طموح الجمعية لا يتوقف عند ما تحقق، بل يسعى لتحويل هذه الجهود الى نموذج مستدام قادر على الصمود امام التحديات الاقتصادية الكبيرة التي يشهدها لبنان. وبينت ان نجاح هذه المبادرات مرهون بتكاتف الجهود المحلية وقدرة الجمعية على تأمين موارد ثابتة تضمن للمرأة والاسرة في راس المتن فرصا وخدمات افضل.