بقلم المحامية ريم المصري

تنتهي القضية، لكن معاناة المحامي قد تبدأ عند المطالبة بأتعابه.

فالمحامي يستمع إلى موكله، ويدرس أوراقه، ويجهّز ملفه، ويتابع قضيته حتى إنجاز العمل المتفق عليه.

وعندما يمتنع الموكل عن تسديد الأتعاب المستحقة، تبدأ رحلة أخرى من المطالبة والتحصيل، يتحمّل فيها المحامي وقتًا وجهدًا وكلفةً إضافية، بعدما وفّى بالتزاماته ودافع عن حقوق موكله.

من هنا، أطرح هذه الرسالة بروح المسؤولية المهنية، وأتمنى على نقابة المحامين أن تتبنّى مطلب تعزيز الحماية التنفيذية لاتفاقية أتعاب المحاماة، صونًا لكرامة المحامي وهيبة المهنة، وترسيخًا لجدية الالتزام بالدفع منذ توقيع الاتفاقية.

فالمحاماة رسالة عدالة ومهنة ذات قيمة ومكانة. وحين يتولى المحامي قضية، يصبح مسؤولًا عن متابعتها ويرتبط أداؤه فيها باسمه وسمعته وأمانته المهنية. ولذلك يواصل القيام بواجباته وحماية حقوق موكله حتى حين يساوره الشك في تحصيل أتعابه حرصًا على التزامه المهني وتجنّبًا لأي تقصير يعرّضه للمساءلة.

وفي المقابل، فإن الأتعاب المتفق عليها هي حق المحامي عن هذا العمل. وقد يقبل تقسيطها مراعاةً لظروف موكله فيقبض جزءًا منها ويؤجل الباقي. لكن التيسير في مواعيد الدفع ينبغي أن يقابله احترام لهذه المواعيد، وألّا يتحول إلى فرصة للمماطلة أو التنصل بعد إنجاز المهمة.

وتبرز المشكلة حين يكون المتبقي من الأتعاب بضع مئات من الدنانير، بينما يتطلب تحصيله إجراءات ونفقات ومتابعة لا تتناسب مع قيمته.

عندها يتحمل المحامي عبئًا جديدًا، أو يقبل بالتنازل عن جزء من مستحقاته تفاديًا لاستنزاف إضافي وهذا واقع يستحق معالجة تجعل الوفاء بالاتفاقية أكثر جدية وفاعلية.

إن اتفاقية الأتعاب الصحيحة ملزمة لطرفيها، والمطلب واضح ومحدد: تعزيز فاعلية تحصيل الأتعاب المستحقة أمام دائرة التنفيذ، وشمولها بالحماية المقررة لبدلات إيجار العقار والحقوق العمالية بما فيها إمكان الحبس التنفيذي وفق أحكام القانون. فالغاية استعادة قوة الإلزام بالوفاء حتى يدرك الموكل منذ توقيع الاتفاقية أن تسديد الأتعاب التزام جدي وأن المماطلة في أدائها تترتب عليها إجراءات تنفيذية فاعلة بموجب التعديل المطلوب.

والمقصود حماية الأتعاب الثابتة والمستحقة من المماطلة ضمن ضوابط تميّز بين الامتناع عن الوفاء والعجز الحقيقي عنه، وتحفظ حق الموكل في منازعة المطالبة لأسباب جدية.

وللأتعاب أثر مباشر في استقرار المحامي؛ فهي مورد رزقه الذي يسدّد منه نفقات مكتبه وأجور العاملين لديه واحتياجات أسرته وتعليم أبنائه وعلاجه فضلًا عن التزاماته المهنية والضريبية وفق القانون.
وتنبع أهمية هذا المطلب من طبيعة المسؤولية المهنية والقيود القانونية على الجمع بين المحاماة ووظائف وأعمال أخرى فالمحامي يؤدي رسالته، وفي الوقت نفسه يتحمل التزامات معيشية ومهنية تستحق أن تؤخذ بجدية.

أما الجانب الإنساني فيبقى أصيلًا في المحاماة فخفض الأتعاب أو تولّي قضية «لوجه الله تعالى» عطاء يقدّمه المحامي باختياره وقناعته.

وحماية أتعابه المتفق عليها تدعم قدرته على الاستمرار في هذا العطاءإلى جانب عمله المهني.

وأدعو أصحاب القرار في نقابة المحامين والمحامين والمحاميات والمستشارين ذوي الخبرة إلى اغتنام فترة استقبال ديوان التشريع والرأي للملاحظات والمقترحات على مسودة تعديل قانون التنفيذ، لتقديم هذا المطلب ومناقشة سبل تطبيقه، وصولًا إلى حماية تنفيذية أكثر فاعلية للأتعاب تحفظ حقوق الطرفين وتعزز احترام الاتفاقية.

كرامة المحامي ثابتة، لا تحددها قيمة أتعابه ولا ظروفه المالية، وحماية حقوقه تعبير عملي عن احترام عمله وصون هيبة مهنته. فمن يتحمل مسؤولية الدفاع عن حق موكله، يستحق أن يجد حماية فاعلة لحقه في ثمرة جهده وخبرته.