هشام قواسمة
لا تقرأ المجموعة القصصيّة
"قد يكون وهما" للقاصّة الأردنيّة حنان باشا بوصفها مجموعةً من الحكايات المنفصلة فحسب، بل بوصفها فضاء سرديّاً تتقاطع فيه التّجارب الإنسانيّة، وتتجاور فيه الذاكرة مع الخيبة، والحقيقة مع الاحتمال، والواقع مع ما تصنعه النّفس من صور وأوهام. فالعنوان نفسه يضع القاريّ منذ البداية أمام سؤال معرفيّ ووجوديّ: ما الّذي نراه حقيقة، وما الذي نعيد تشكيله بفعل الذّاكرة والرّغبة والخوف؟ وهل الوهم قيض الواقع دائما، أم أنّه أحياناً الصّورة التي نلجأ إليها كي نحتمل قسوة الواقع؟
تتّخذ حنان من هذه المنطقة الملتبسة منطلقاً بناء عالمها القصصيّ هذا العالم لا تستقرّ فيه الشّخصيّات على يقين نهائيّ، ولا نفصل فيه الأحداث عن آثارها النّفسيّة. ومن هنا تنبع أهمّيّة المجموعة: من محاولتها التقاط ما يحدث داخل الإنسان، لا الاكتفاء برصد ما يحدث حوله. فالحكاية، في كثير من تجلّياتها، ليست سوى المدخل إلى طبقات أعمق من الشّعور، حيث تتراكم الخيبات، وتستعيد الذّاكرة ما لم يستطع الحاضر تجاوزه، وتتحوّل التّفاصيل اليوميّة إلى إشارات على اختلال العلاقة بين الذّات والعالم.
والقراءة النّقديّة لهذه المجموعة تقتضي النّظر في تفاعل عناصرها الفنيّة: العنوان ودلالاته، وبناء الشّخصيّة، والزّمن السّرديّ، وتشكيل المكان، واللّغة، والنّهايات؛ ذلك أنّ القيمة الأدبيّة لا تتحدّد بالموضوعات الّتي تطرحها القصّة وحدها، وإنّما بالطّريقة الّتي تتحوّل بها هذه الموضوعات إلى بناء فنّيّ قادر على إنتاج الدّلالة وإثارة الأسئلة
العنوان بوصفه مفتاحاً تأويليّاً
يحمل عنوان المجموعة (قد يكون وهماً) طاقة دلاليّة تتجاوز الإشارة إلى قصّة بعينها، ليصبح مدخلاً لقراءة عالم الكاتبة. فصيغة الاحتمال في عبارة (قد يكون) لا تمنح القارئ حقيقة مستقرّة، بل تضعه في مواجهة الشّك، وتترك مسافة مفتوحة بين ما يبدو واقعاً وما يبدو متخيّلاً.
واللافت في هذا العنوان أنّه لا يقول إنّ ما نراه وهمٌ، بل يكتفي بفتح هذا الاحتمال. وهذه المسافة بين الإثبات والنّفي هي الّتي تمنحه قيمته الفنّيّة؛ إذ تجعل الحقيقة نفسها موضوعاً للسّؤال، وتدفع القارئ إلى مراجعة أحكامه على الأحداث.
من هنا، يمكن النّظر إلى العنوان بوصفه عتبةً تحكم علاقتنا بالنّصوص: فالأوهام ليست بالضّرورة أكاذيب واعية، وإنّما قد تكون صوراً يصنعها الإنسان من حاجته إلى الحبّ، أو خوفه من الفقد، أو رغبته في الاحتفاظ بما لم يعد ممكناً الاحتفاظ به. وبذلك تتّسع دلالة الوهم لتشمل آليات الوعي الإنسانيّ في مواجهة الواقع، لا مجرّد الالتباس بين الحقيقة والخيال.
لكنّ القيمة النّقديّة لهذا التّأويل تظلّ مرتبطةً بمدى تحقّق هذه الدّلالة في القصص المختلفة؛ فالعنوان يمنح المجموعةً أفقاً للقراءة، غير أنّ وحدة المجموعة لا تستمدّ منه وحده، بل من الرّوابط الموضوعيّة والفنّيّة الّتي تنشأ بين النصوص.
من الحكاية إلى التّجربة النّفسيّة
تتّجه المجموعة في عدد من عناوينها ومداخلها النّصيّة، إلى الاهتمام بالحالة الدّاخليّة للشخصيّة، وما يعتمل فيها من اضطراب وانقسام وحنين. وتكشف عناوين مثل (لحظة انشطار)، و(منتصف أشياء كثيرة)، و(ما لم تبح به) عن اهتمام بمناطق غير مكتملة من التّجربة الإنسانيّة؛ لحظات يصعب فيها على الشّخصيّة أن تتصالح مع ذاتها أو أن تعبّر بصورة مباشرة عمّا تشعر به.
في هذا السّياق، لا تبدو الشّخصيّة مجرّد أداة لتحريك الحدث، بل مركزاً تتجمّع حوله الدّلالات. وقد تتراجع أهميّة الواقعة الخارجية لمصلحة أثر ها النّفسيّ، بحيث لا يكون السّؤال الأهم ماذا حدث؟ بل: ماذا فعل ما حدث بالإنسان؟
وهذا التّحوّل من الحكاية إلى التّجربة يمنح القصّة القصيرة مجالها الأكثر حساسيّةً؛ إذ تستطيع لحظةٌ واحدةٌ أن تكشف تاريخاً عاطفيّاً كاملاً، كما يمكن لتفصيل عابر أن يستدعي جرحاً قديماً أو يوقظ شعوراً ظلّت الشّخصيّة عاجزةً عن تسميت
ومع ذلك، فإنّ التّركيز على الدّاخل النّفسيّ يضع الكاتب أمام تحد فنّيّ: كيف يحوّل المشاعر إلى أفعال وصور ومواقف، بدلاً من الاكتفاء بتسميتها أو شرحها؟ هنا تحديداً يتحدّد الفرق بين النّص الّذي يكتفي بإخبارنا عن الألم، والنّص الّذي يجعلنا نختبر هذا الألم من خلال البناء السّرديّ.
الزّمن والذّاكرة واستمرار الماضي
يعدّ الزّمن من العناصر الّتي يمكن أن تضيء البنية الدّلاليّة للمجموعة. فالعناوين الّتي تحيل إلى الانشطار، والمنتصف، وما بعد الصّورة، وما لم يفصح عنه، تستدعي أزمنةً غير مستقرّة؛ أزمنةً تقع بين حدث مضى وأثر لم ينته، أو بين تجربة عاشتها الشّخصيّة وحقيقة لم تستطع الوصول إليها.
في مثّل هذا البناء، لا يكون الماضي مرحلةً منتهيةً يمكن تجاوزها ببساطة، بل قوّةً تستمر في التّأثير في الحاضر. فالإنسان لا يعيش الزّمن بوصفه تعاقباً محايداً للأيّام، وإنّما يعيشه وفقاً لما يحتزنه من ذكريات وخيبات وانتظارات. وقد تنقضي الواقعة في الزّمن الخارجيّ، بينما تظلّ حاضرةً في الوعي، تعيد إنتاج نفسها كلّما استدعتها إشارةٌ أو صورةٌ أو موقف. ومن هنا تنشأ أهميّة التمييز بين الزّمن الّذي تقع فيه الأحداث والزّمن الّذي تستغرقه الشّخصيّة في استيعابها. فقد تمرّ سنوات في جملة واحدة، بينما تتوقّف حركة الحكاية عند لحظة قصيرة البطء تتشعب فيها الذّاكرة وتتداخل المشاعر. وهذا التّفاوت، حين يوظّف بوعي، يحرّر القصّة من التّسلسل التّقليديّ ويمنحها عمقاً نفسيا.
غير أنّ التّشظيّ الزّمنيّ لا يعدّ قيمةً فنّيّةً في ذاته؛ فقيمته تتوقف على وظيفته. فإذا أسهم الاسترجاع أو التّقطيع أو تأخير الكشف في تعميق الشّخصيّة وتوسيع الدّلالة، أصبح جزءاً عضويّاً من البناء. أمّا إذا لم يضف إلى التّجربة سوى الغموض، فقد يتحوّل إلى عائق أمام التّواصل مع النّص.
المرأة والعلاقات الإنسانيّة
تفتح المجموعة مجالاً لقراءة التّجربة الإنسانيّة من زاوية العلاقات العاطفيّة وما ينشأ عنها من اختلالات. ففي النّصّ الافتتاحي (كلمة.. يحث الخطى)، تتحدّث الكاتبة عن فوضى الكتابة، وتستدعي صورة شاعر يوزّع عبارات الإعجاب، قبل أن تكشف المتحدّثة عن نفورها من (قبلات حروفه مبلولة بزيف خيانة). ثمّ تنتهي إلى الرّغبة في محو النّصوص والبدء من جديد، وصولاً إلى أمنية (أغزل حبّاً يستحقّ التّضحية) هذا النّصّ مهمٌّ لأنّه لا يعرض الخيبة العاطفيّة في صورة اعتراف مباشر فحسب، بل يربطها بفعل الكتابة نفسه. فالممحاة تصبح رمزاً للرّغبة في محو تجربة فقدت صدقها، والصّفحة البيضاء احتمالاً لاستعادة القدرة على الاختيار، فيما تتحوّل الكتابة من مساحة للزّيف إلى محاولة لتأسيس علاقة أكثر صدقاً.
ومن هذه الزّاوية، يمكن قراءة النّص بوصفه مساءلةً للّغة العاطفيّة حين تتحوّل إلى وسيلة للإغواء والتّكرار، وتفقد صلّتها بالتّجربة الحقيقيّة. فالكلمات الّتي تبدو جميلةً لا تضمن صدق صاحبها، وقد يخفي وراءه علاقةً غير متكافئة أو وعداً لا يراد الوفاء به.
وتتيح هذه الإشارة قراءة بعض نصوص المجموعة من منظور تمثيل المرأة ووعيها بذاتها؛ فالمرأة هنا ليست بالضّرورة موضوعاً لنظرة الآخر، بل يمكن أن تكون ذاتاً تفحص الخطاب وتعيد تقديم تجربتها، وتحاول استرداد حقّها.
ومع ذلك، لا يمكن تعميم ذلك على جميع قصص المجموعة؛ إذ يتطلب الحكم على صورة المرأة في العمل كلّه تحليل الشّخصيّات وأفعالها ومواقعها في كلّ نصّ، والتمييز بين ما تقوله الشّخصيّة وما يتبنّاه النّصّ.
اللّغة بين الشعريّة والتّكثيف
تتميّز لغة حنان، في النّص الافتتاحي على الأقل، بالنّزوع إلى الصّورة والاستعارة والتّشخيص، كما يظهر في تصوير النصوص بأنّها (عائمةٌ مثّل قارب تائه على السّطور)، وفي الحديث عن الكلمات الّتي تتطاير وتعلق بجديلة طفلة.
هذه الصور لا تؤدّي وظيفةً تزبينيّةً فقط، بل تسهم في بناء عالم تتداخل فيه الكتابة بالحياة، وتتّخذ فيه الأشياء الجامدة صفات الكائنات الحيّة. فالحروف تتعثّر، والأبطال يخرجون عن أدوارهم، والنّصوص تتحوّل إلى فضاء مضطرب.
ويكشف هذا التّداخل عن نزعة ميتاسرديّة، أي عن كتابة تتأمّل فعل الكتابة ذاته، وتستدعي عناصر النّص داخل النّص، فتجعل القارئ واعياً بأنّه أمام عمليّة خلق فنّيّ لا أمام حكاية مغلقة فحسب. وبهذا المعنى، لا يقتصر النّصّ الافتتاحي على تقديم المجموعة، بل يطرح سؤالاً عن العلاقة بين الكاتب وشخصيّاته، وبين ما يخطّط له المبدع وما تفرضه الكتابة من فوضى واحتمالات أمّا من النّاحية النّقديّة، فإنّ الشعريّة في القصّة القصيرة تكتسب قيمتها عندما تتضافر الصّورة مع حركة السّرد، وتكشف عن معنى لا تستطيع اللغة التقريريّة بلوغه.
عناوين القصص وبناء الدّلالة
تتضمّن فهرسة المجموعة عناوين مثل (صمت العنادل)، و (كالقابض على حرف)، و (أوراق ثبوتية)، و (نبضة مهاجرة)، و (وثاق من مسد)، و(كعك العيد)، و (ما بعد الصّورة)، و(المقصّ)، و(ضوء آخر النّفق)، و (ثمّة صوت يلحقني.
وتكشف هذه العناوين، عن تنوع في مداخل الكتابة: بعضها يستند إلى الصّورة الشّعريّة، وبعضها يوحي بموقف أو فعل، وبعضها يستدعي أشياء ملموسةً من الحياة اليوميّة. وهذا التّنوع يتيح للكاتبة الانتقال بين التّجربة الوجدانيّة والإشارة الرّمزيّة والتّفصيل الواقعيّ.
ويكتسب هذا الجانب أهمّيّته من أنّ العنوان القصصيّ ليس مجرّد تسمية للنّص، بل هو عنصرٌ في إنتاج معناه. فعنوانٌ مثل (أوراق ثبوتية) يستدعي، من حيث دلالته المباشرة، مسألة الهويّة ، بينما يوجي (ما بعد الصّورة) بالمسافة بين المظهر وما يكشفه الزّمن. أمّا (ضوءٌ آخر النّفق) فيفتح أفقاً يرتبط بالعبور والانفراج بعد العتمة، في حين يثير (ثمّة صوتٌ يلحقني) إحساساً بالملاحقة والقلق. لكنّ هذه الدّلالات تظلّ احتمالات تأويليّةً تستند إلى العناوين، ولا تكفي وحدها للحكم على مضمون القصص أو نهاياتها. فالعنوان قد يكتسب داخل النّص معنى مغايراً لدلالته الأوّليّة، وقد تتعمّد القاصّة أن تجعل العلاقة بين العنوان والمتن علاقة مفارقة لا تطابق.
ومن هنا تأتي ضرورة قراءة العناوين في ضوء أحداث القصص وشخصيّاتها، لا التّعامل معها باعتبار ها شواهد مستقلّةً على المعنى.
ملامح القوّة والأسئلة النقدية
يمكن تحديد عدد من الملامح الّتي تستحقّ التّوقّف عندها في المجموعة:
- اختيار عنوان إشكاليّ: يفتح المجال لتعدّد التّأويلات، ويجعل العلاقة بين الحقيقة والوهم مدخلاً إلى العالم القصصيّ.
- الاهتمام بالتّجربة الدّاخليّة: يتيح الانتقال من الحدث الخارجيّ إلى أثره النّفسيّ والوجدانيّ.
- الانفتاح على اللّغة المجازيّة: يمنح بعض النّصوص كثافةً تصويريّة، ويتيح التّداخل بين الواقع والكتابة والرّمز.
- تعدد المداخل الدّلاليّة: تكشف العناوين عن تنوع في طرائق مقاربة التّجربة، من الصّورة الشّعريّة إلى التّفصيل اليوميّ.
وفي مقابل هذه الملامح، تبرز أسئلةٌ تفدية ينبغي أن تحسمها القراءة التّفصيليّة للنّصوص: هل تتوازن الشّعريّة مع البناء الحكائي؟
هل تتمايز أصوات الشّخصيّات أم تتقارب في نبرتها التّعبيريّة؟
هل تنبع النّهايات من منطق الأحداث أم تعتمد على المفاجأة وحدها؟
هل تتجاوز الرّموز دلالتها المباشرة لتنتج مستويات متعدّدةً من المعنى؟
هذه الأسئلة ليست أحكاماً مسبقةً على المجموعة، بل معايير لفحص نجاح الخيارات الفنّيّة. فليس المطلوب من القصّة أن تلتزم بناء تقليدياً أو أن تنتهي بإجابة واضحة، وإنّما أن يكون اختيارها الفنّيّ ضروريّاً للتّجربة الّتي تقدّمها.
وختاما إن القيمة الفنّيّة للمجموعة لا تحسم بالموضوعات الإنسانيّة الّتي تطرحها، ولا بالشّعريّة الّتي تتسم بها بعض عباراتها، وإنّما بقدرتها على تحويل هذه العناصر إلى قصص متماسكة، تتفاعل فيها الشّخصيّة والزّمن والمكان واللّغة، وتنتج دلالاتها من داخل بنائها. ومن هنا، فإنّ القراءة النّقديّة الأكثر إنصافاً هي الّتي تجمع بين الإصغاء إلى حساسيّة الكاتبة الوجدانيّة وبين مساءلة أدواتها الفنّيّة، فلا تكتفي بالاحتفاء بالنّوايا والمعاني، ولا تغفل في المقابل ما تمنحه النصوص من إمكانات جماليّة وتأويليّة في المحصلة، تضعنا (قد يكون وهما) أمام سؤال يتجاوز حدود الحكاية إلى طبيعة إدراكنا للحياة: كم من الحقائق نراها من خلال رغباتنا، وكم من الأوهام نتمسّك بها لأنّ التّخلّي عنها أشدّ إيلاماً من تصديقها؟ ولعلّ الأدب، في واحدة من وظائفه الأساسيّة، لا يقدّم إجابة نهائيّة عن هذا السؤال، بل يجعلنا أكثر وعياً بتعقيده، وأكثر قدرة على رؤية الإنسان في هشاشته وتناقضاته.
