تتحول الضفة الغربية اليوم من مجرد منطقة توتر امني الى مختبر سياسي وعسكري معقد يختبر بنية السيطرة الاسرائيلية في ظل تحولات جذرية على الارض. وتتقاطع في هذه المرحلة ثلاثة مسارات خطيرة تتمثل في تساهل عسكري غير مسبوق في اوامر اطلاق النار. وتهاون قضائي مع عنف المستوطنين. اضافة الى سياسة خنق مالي ممنهج تستهدف تقويض مقومات السلطة الفلسطينية. وتظهر هذه المؤشرات ان الواقع الميداني يتجه نحو فرض ضم زاحف يتجاوز التصريحات السياسية ليصبح امرا واقعا مفروضا بقوة السلاح.
واكدت تقارير صحفية عبرية ان الضفة الغربية تشهد تغيرا عميقا في قواعد الاشتباك. حيث لم يعد معيار الخطر مرتبطا بالفعل ذاته بل بهوية الفاعل. واوضح قادة عسكريون ميدانيون وجود تمييز واضح في التعامل بين الفلسطينيين والمستوطنين. مشيرين الى ان الجيش بات يتبنى عقيدة قتالية تبرر استباحة الدم الفلسطيني تحت ذريعة مكافحة الارهاب او حتى رشق الحجارة. واظهرت التصريحات العسكرية اعترافا صريحا بزيادة معدلات القتل منذ اكتوبر الماضي.
وبينت التحليلات ان القوات العسكرية في الضفة الغربية باتت تتعامل مع الفلسطينيين كاهداف مشروعة في مناطق التماس. وكشفت بيانات ان نسبة ضئيلة جدا من القتلى الفلسطينيين كانت متورطة في انشطة مسلحة. بينما الغالبية العظمى سقطت في ظروف تعكس سياسة القتل الاستباقي. واشار مراقبون الى ان الضفة اصبحت ساحة مفتوحة لعمليات لا تحتاج الى غطاء سياسي طويل الامد في ظل غياب المحاسبة.
استباحة القتل وتفشي عنف المستوطنين
واضافت تقارير ميدانية ان عنف المستوطنين تحول الى ظاهرة ممنهجة تحظى بغطاء غير مباشر من المنظومة السياسية. وشدد خبراء امنيون على ان ما يمارسه المستوطنون في القرى الفلسطينية يرقى الى مستوى الارهاب المنظم. واكدت معطيات ان الاعتقالات في صفوف المعتدين لا تتعدى اجراءات شكلية واقامات جبرية قصيرة. مما يعزز شعور الافلات من العقاب لدى المجموعات الاستيطانية.
واوضحت التقارير ان التنسيق بين الجيش والمزارع الاستيطانية الجديدة ساهم في توسيع نطاق السيطرة على الاراضي في المنطقة ج. واكدت ان هذه المزارع تعمل كادوات لفرض واقع ديموغرافي جديد يمنع التمدد الفلسطيني. واشار مراقبون الى ان وزير الدفاع الاسرائيلي قيد ادوات التعامل مع المستوطنين. مما ادى الى تآكل قدرة الدولة على ضبط هذه المجموعات المتطرفة.
وبينت المصادر ان هذا التحول في الضفة الغربية ليس وليد الصدفة بل هو نتاج مشروع قطاعي يتبناه اليمين القومي والديني. وشدد محللون على ان القيم المتطرفة التي تتبلور داخل بعض المستوطنات بدأت تنتقل الى المجتمع الاسرائيلي ككل. واكدوا ان هذا التوجه يغير من صورة اسرائيل ومستقبلها السياسي بشكل لا رجعة فيه.
خنق مالي واعادة تشكيل الواقع
واضافت مراسلة الشؤون الفلسطينية ان سياسة الحصار المالي تهدف الى انهيار السلطة من الداخل. وكشفت ان اسرائيل تحتجز مليارات الشواكل من اموال المقاصة. مما ادى الى ازمة اقتصادية خانقة زادت من حدة الاحتقان الشعبي. وبينت الارقام ان انخفاض اعداد العمال الفلسطينيين في الداخل المحتل فاقم من معدلات الفقر والبطالة.
واكدت التقارير ان العمال الفلسطينيين الذين يحاولون الوصول الى اعمالهم يواجهون خطر الموت عند الحواجز. واوضحت ان سياسة اطلاق النار جعلت من لقمة العيش مخاطرة قاتلة. واضافت ان السياسة المالية تتقاطع مع السياسة العسكرية لخلق بيئة طاردة للفلسطينيين من اراضيهم.
واختتمت التحليلات بان اسرائيل لا تدير الضفة بسياسة امنية مؤقتة بل بمنطق اعادة تشكيل ديموغرافي وجغرافي شامل. واكدت ان السلطة الفلسطينية باتت تعامل كجسم منهك يجب ابقاؤه في حالة ضعف دائم. واوضحت ان الضفة تقف اليوم امام مشروع حسم يغير علاقتها التاريخية والجغرافية بالاحتلال.
