يعد الفصام واحدا من اكثر الاضطرابات النفسية تعقيدا وغموضا حيث يجد المصابون به صعوبة بالغة في الفصل بين ما هو حقيقي وما هو من نسج الخيال وهو ما يطلق عليه طبيا حالة الذهان. وتؤكد الدراسات ان هذا المرض لا يقتصر على كونه اضطرابا عصبيا فحسب بل يمتد ليشمل تغيرات هيكلية وكيميائية عميقة تؤثر على سلوك الفرد وقدرته على التواصل مع العالم الخارجي.
واضاف الباحثون ان اسباب الاصابة لا تزال محاطة بكثير من التساؤلات رغم ترجيح وجود تداخل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية المحيطة. وبينت التقارير ان التاريخ العائلي يلعب دورا محوريا في رفع نسب الخطورة بينما تزيد عوامل خارجية مثل الضغوط النفسية الحادة او التعرض لبعض انواع العدوى قبل الولادة من احتمالية ظهور هذا الاضطراب.
واوضح الخبراء ان تقنيات التصوير بالرنين المغناطيسي كشفت عن وجود تغيرات ملموسة في بنية الدماغ لدى المرضى حيث يلاحظ احيانا اتساع في البطينات الدماغية وتقلص في حجم الفص الصدغي الاوسط المسؤول عن الذاكرة. وشدد العلماء على ان الخلل في الاتصالات العصبية وتناقص المادة الرمادية يفسر بشكل كبير تدهور الوظائف الادراكية وتفاقم الاعراض مع مرور الوقت.
التغيرات الكيميائية واضطراب النواقل العصبية
وكشفت التحليلات الحديثة عن وجود علاقة وثيقة بين الفصام واختلال توازن المواد الكيميائية في الدماغ والتي تعرف بالنواقل العصبية. واكدت النتائج ان الناقلين العصبيين الدوبامين والغلوتامات يلعبان الدور الاكبر في تنظيم عمليات التفكير والتحفيز والادراك مما يجعل اي خلل في مستوياتهما سببا مباشرا في ظهور اعراض الهلوسة والتوهم.
واظهرت الدراسات ان زيادة نشاط الدوبامين ترتبط بشكل طردي مع حدة الاعراض الذهانية وهو ما يفسر اعتماد الادوية النفسية الحديثة على تحجيم تأثير هذا الناقل لاستعادة التوازن الكيميائي. واضاف المتخصصون ان الغلوتامات من جهته يؤثر بشكل مباشر على وظائف الذاكرة والمزاج حيث يؤدي اضطرابه الى ظهور اعراض انسحابية وضعف في التفاعل الاجتماعي وتبلد في المشاعر.
وبينت الابحاث ان فهم التفاعل المعقد بين هذه النواقل داخل دوائر الدماغ لا يزال يمثل تحديا علميا كبيرا لكنه يفتح في الوقت ذاته افاقا جديدة لتطوير علاجات اكثر فعالية للمصابين. واكدت الملاحظات السريرية ان الفصام يظهر عادة في مراحل المراهقة المتاخرة او بداية البلوغ مما يتطلب وعيا مبكرا بالاعراض لضمان التدخل العلاجي السريع وتحسين جودة حياة المرضى.
