سادت حالة من البرود الرسمي في الجزائر تجاه التحركات الفرنسية الاخيرة الرامية لتقارب العلاقات بين البلدين. وتجلت هذه الحالة في التعامل المتحفظ مع زيارة الوزيرة الفرنسية لشؤون القوات المسلحة اليس روفو التي حلت بالجزائر للمشاركة في احياء ذكرى مجازر الثامن من مايو التي ارتكبها الجيش الفرنسي ابان الحقبة الاستعمارية. واظهرت السلطات الجزائرية عدم اكتراث واضح بزيارة الوزيرة التي لم تتضمن اي اعتذار رسمي عن الجرائم التاريخية. وبينت المصادر ان هذا الموقف يعكس تمسك الجزائر بمبدأ ان ملف الذاكرة يظل خطا احمر لا يمكن تجاوزه دون اعتراف صريح بفظائع الاستعمار.
واكدت التقارير الاعلامية ان الزيارة التي قوبلت بصمت شبه تام من وسائل الاعلام الرسمية جاءت في توقيت حساس. واضافت ان الرئيس عبد المجيد تبون استقبل الوزيرة الفرنسية التي حملت رسالة من نظيرها ايمانويل ماكرون في اطار محاولات باريس لتحسين العلاقات. وشدد المراقبون على ان غياب الادانة الصريحة من الجانب الفرنسي جعل الزيارة تبدو مجرد خطوة رمزية تفتقر الى العمق السياسي المطلوب لانهاء التوترات العالقة بين الطرفين.
واوضحت التحليلات ان ملف الذاكرة يمثل العقدة الاساسية في مسار التطبيع الدبلوماسي. واشار المتابعون الى ان الجزائر تفرض سلم اولويات دقيقا يضع مواجهة الماضي قبل الحديث عن اي شراكات مستقبلية. وبينت الصحف المحلية ان استمرار التناقض بين الاحتفال الفرنسي بالتحرر وبين تجاهل الجرائم المرتكبة في الجزائر يظل العقبة الكبرى امام اي مصالحة حقيقية وشاملة.
موقف جزائري حازم من ملف الذاكرة
وكشفت القراءات السياسية ان الجزائر تدير مفاوضاتها مع فرنسا من موقع قوة ووعي تام بحاجة باريس لهذا المسار. واضافت ان خطوات تذليل العقبات التي حدثت مؤخرا لا تعني بالضرورة تجاوز الخلافات الجوهرية المتعلقة بالاعتذار الرسمي. واكدت ان ملف الصحراء الغربية لا يزال يشكل نقطة تعقيد اضافية في مسار العلاقات الثنائية التي تشهد مدا وجزرا مستمرا.
وبين الباحث حسني قيتوني ان الخطاب الفرنسي الرسمي يفتقر الى المسميات القانونية للجرائم الاستعمارية. واوضح ان البيان الصادر عن الاليزيه بخصوص الزيارة خلا من اي تعبير عن الندم او طلب المغفرة. وشدد على ان الاكتفاء بسرد الذاكرة دون تسمية المسؤولين عن القمع او الاعتراف بالجرائم ضد الانسانية يقلل من قيمة هذه التحركات الرمزية في نظر الجزائريين.
واشار الخبراء الى ان ذوبان الجليد الدبلوماسي لا يعني باي حال من الاحوال طي صفحة الماضي المؤلمة. واضافوا ان الشعب الجزائري والمؤسسات الرسمية ينتظرون اعترافا لا لبس فيه من فرنسا بمسؤوليتها التاريخية. واكدت المتابعات ان اي تقدم في العلاقات سيظل رهينة بقدرة باريس على اتخاذ خطوات شجاعة تتجاوز الرموز الى الاعتراف القانوني والسياسي الكامل بجرائم الاستعمار.
التحديات الراهنة في العلاقات الجزائرية الفرنسية
واظهرت التطورات الاخيرة ان الجزائر ترفض التنازل عن حقوقها التاريخية مقابل مكاسب سياسية آنية. واوضحت ان المقاربة الفرنسية التي تعتمد على خطوات مجتزأة لم تعد مقبولة كبديل عن الاعتذار الصريح. واكدت ان التوازن في العلاقات يتطلب من الطرف الفرنسي وعيا عميقا بحساسية الملفات التاريخية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجزائرية.
واشار المحللون الى ان استئناف التنسيق في بعض الملفات الامنية والادارية لا يعكس بالضرورة تطابقا في الرؤى السياسية. واضافوا ان الجزائر تصر على ان سيادتها وموقفها من القضايا الدولية والاقليمية ثوابت لا تقبل المساومة. وبينت ان الرهان الفرنسي على الوقت لطي ملفات الذاكرة يواجه صمودا جزائريا يتمسك بضرورة المحاسبة التاريخية.
وختمت القراءات بان مسار العلاقات بين البلدين يتجه نحو مرحلة جديدة تتسم بالندية والوضوح. واكدت ان الكرة الآن في ملعب باريس التي يتعين عليها ان تدرك ان المصالحة ليست مجرد زيارات بروتوكولية بل هي اعتراف حقيقي ومسؤول بالماضي. وبينت ان المستقبل سيكشف ما اذا كانت فرنسا قادرة على تجاوز ارثها الاستعماري لبناء شراكة متوازنة مع الجزائر.
