سجل الانفاق الراسمالي في السعودية خلال الربع الاول من العام الجاري اعلى مستوياته التاريخية في غضون عقد كامل، وهو ما يعكس اصرار الحكومة على المضي قدما في استراتيجيات تنويع الاقتصاد الوطني رغم التحديات الاقليمية المتسارعة، ويأتي هذا الزخم المالي متناغما مع التوجهات الاستراتيجية التي اعلنها ولي العهد الامير محمد بن سلمان بشأن بدء المرحلة الثالثة والحاسمة من رؤية 2030، حيث دخلت مسيرة التحول الوطني مرحلة ذروة التنفيذ وسط جاهزية عالية لادوات التحول الاقتصادي، واكدت التقارير المالية ان السياسات المتبعة تعتمد على المرونة والاستباقية في اقتناص الفرص الاستثمارية الكبرى.
وكشفت بيانات وزارة المالية السعودية عن نمو استثنائي في بند الاصول غير المالية بنسبة بلغت 56 في المائة على اساس سنوي، وبينت الارقام ان الانفاق الفعلي قفز من 27.8 مليار ريال الى 43.4 مليار ريال، واوضحت المؤشرات ان هذا الارتفاع يعود الى وصول المشروعات الكبرى الى مراحل متقدمة تتطلب تدفقات مالية سيادية ضخمة، واظهرت التحليلات ان استراتيجية التمويل تعتمد على توجيه الموارد نحو اصول منتجة تحمي الاقتصاد الوطني من التقلبات العالمية المستقبلية وتضمن استدامة النمو.
واضاف صندوق النقد الدولي ان تعزيز كفاءة الانفاق الراسمالي يمثل ركيزة اساسية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام، وبينت التقديرات ان الاستثمار في البنية التحتية يعد محركا رئيسيا لرفع الناتج المحلي الاجمالي، واكدت السياسات المالية السعودية ان التوجه نحو بناء قاعدة اصول متينة يمنح الاقتصاد مرونة عالية وقدرة فائقة على الصمود امام الاضطرابات الجيوسياسية، وشددت الحكومة على ان الاستثمار في الاصول غير المالية يتقدم على اي اهداف مالية قصيرة المدى لضمان مستقبل الاجيال القادمة.
مراحل التحول والتمكين في الانفاق الحكومي
وبينت مسارات الانفاق الاستثماري في المملكة عبر الربع الاول من كل عام وجود محطات مفصلية عكست تطور الاولويات الوطنية، واظهرت مرحلة التأسيس بين عامي 2017 و2020 تركيزا على وضع حجر الاساس الهيكلي للمشروعات وبناء الانظمة المالية، واضافت التقارير ان مرحلة اختبار المرونة خلال الجائحة شهدت حفاظ المملكة على حد ادنى قوي من الانفاق الاستثماري مع دعم القطاع الصحي، واكدت ان مرحلة التعافي والعودة للزخم بين عامي 2021 و2022 شهدت تسارعا في وتيرة العقود والترسيات الحكومية للمشروعات الكبرى.
وكشفت مرحلة القفزات التحولية التي تلت ذلك عن توسع كبير في الارقام مع دخول مشروعات مثل نيوم والقدية حيز التنفيذ الميداني الفعلي، واوضحت مرحلة الكفاءة ثم الذروة التي نعيشها حاليا وصول الانفاق الى مستويات قياسية تاريخية، واضافت ان الميزانية باتت المحرك الاول والاساسي لبناء اقتصاد ما بعد النفط، واكدت ان التخطيط المالي يسير وفق منهجية دقيقة تضمن استدامة الجودة في كافة المشروعات التنموية.
وبينت البيانات المالية توزيع الانفاق على القطاعات الحيوية التي تمثل عصب الاقتصاد الجديد، واوضحت ان قطاع الموارد الاقتصادية تصدر المشهد بنمو بلغ 52 في المائة لتعزيز الاستدامة الانتاجية، واضافت ان قطاع التجهيزات الاساسية والنقل شهد نموا بـ26 في المائة لتطوير الموانئ والمطارات والربط اللوجستي، واكدت ان البنود العامة سجلت نموا كبيرا لدعم المشروعات التنموية الشاملة في مختلف المناطق.
الاستثمار في الانسان كأصل مستدام
واظهرت الميزانية ان طموح الانفاق لا يتوقف عند حدود المشروعات الانشائية، بل يمتد ليشمل بناء القدرات البشرية وضمان جودة الحياة للمواطنين، واضافت ان قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية سجل منصرفا فعليا كبيرا محققا نموا ملحوظا مقارنة بالفترات السابقة، وبينت ان هذا الانفاق يعكس تكامل السياسة المالية من خلال تشييد المدن الطبية المتطورة وتحويل المنظومة الصحية الى اصل وطني استثماري.
واكدت الحكومة التزامها بالبعد الاجتماعي عبر تخصيص الموارد اللازمة لتعويضات العاملين وتوفير الخدمات الدوائية والوقائية، واوضحت ان القفزة الراسمالية الكبرى تمضي جنبا الى جنب مع رفاه المواطن وتطوير القطاعات الحيوية، وشددت على ان المملكة تواصل بناء اقتصاد مرن يعتمد على اصوله غير المالية ليكون محصنا ضد تقلبات اسواق الطاقة ومحققا مستهدفات الازدهار الاقتصادي المستدام.
