الحلقة السادسة عشرة
ظهرت اللغة مع الانسان الأول العاقل الذي بدأ يطور وسائل الاتصال مع محيطه ومجتمعه البدائي، نشأت بهدف تسهيل الاتصال اليومي والحياتي بين الناس للتعبير عن حاجات الناس والأوامر لإيصال المعلومات. ومن الراجح أن نوعاً بسيطاً من اللغة قد شرع في الظهور قبل ما لا يقل عن 250.000 سنة من اليوم وتوافق الناس على الأسس في مواضعها واحدة فواحدة. وكانت لغة بدائية تعبر عن مستوى معيشته البدائية، ولم تتجاوز بعض الطلبات والأوامر والمقاطع الصغيرة.
وفي وقت ربما يرجع إلى ما بين 75.000 و 100.000 سنة قبل اليوم، بلغت اللغة مرحلة حرجة من التعقيد.
وانتقل الإنسان من العصر الحجري القديم إلى عصور تاريخية جديدة. ونشأ الانسان المنتصب، ويبدو أن التحول إلى إنسان منتصب ساعد في تطوير حنجرته تشريحياً، مما أعطاه القدرة على إصدار أصوات أكثر دقة، وأصبح أكثر تحكماً في إصدار الأصوات وابتكار أصوات جديدة، وإنتاج أصوات إرادية شـديدة الدقة تطورت منها اللغات المحكية.
ولعل هذا التطور أدى أيضاً إلى تطور الدماغ وساهم في زيادة حجمه. لقد بدأ البشر في السير من إفريقية إلى آسية قبل 75000 سنة تقريبا ً – علما بأن التاريخ الدقيق موضع الخلاف. وانسلّت عشيرة إثر عشيرة ومضت على وجهها لا تكف عن المسير.
تطورت لغة الشعوب المتنقلة في عصور الصيد والالتقاط مع تطور البيئة والتنقل المستمر الذي أدى إلى تعلم الجديد من الألفاظ وزيادة الكنز اللغوي، وأدت مسارات الترحل والهجرة من الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا إلى وادي النيل، ومن وادي النيل إلى جنوب غرب وشمال الجزيرة العربية، ومن شمال الجزيرة إلى شمال وادي النيل، ومن جنوب الجزيرة إلى الصحراء الكبرى، وبين شمال وجنوب الجزيرة العربية، إلى اختلاط الشعوب وتواصلها وأثرت بشكل مباشر على انتشار حمولات لغوية محلية لتتولد لغة المنطقة الأفرو آسيوية ولهجاتها، وتتطور تدريجياً قبل ظهور الكتابة والتدوين بزمن طويل، وكانت المحاولات الاولى التي تطورت إلى الكتابة المسمارية.
لم يلبث هؤلاء البشر المحنكون الجدد ذوو اللغة المتقدمة أن بسطوا سلطانهم على الدنيا. ومع تحركهم كل في اتجاه كانت تتشعب عن لغتهم شعبة جديدة.
يستشف من أدلة الآثار أن الشرق الأوسط كان منزلة حل فيها المهاجرون ثـم ارتحلوا. فالهياكل العظمية وتقنية الأدوات توحيان معا أن أبناء الإنسان الحديث قد عاشوا هناك قبل 50000 سنة من اليوم على أقل تقدير. ومن هناك تفرق القادمون الجدد في وجهات شتى. (انظر كتاب الانسان). إن تقارب اللغات يدل على تقارب الشعوب، فهي ليست صدفة أن يستعمل نفس اللفظ للدلالة على شيء واحد، وإنما يدل على تقارب في الإقامة على الأقل إم لم نقل أكثر. بالرغم من رفض البعض (غير البرىء) لهذه الدلالات.
بالرغم من أن الأبحاث الجينية أثبتت تقارب الأجناس المختلفة، بل تقاربها مع الحيوانات أيضاً. وبالرغم من اتفاق العلماء على الأصل الأفريقي للإنسان، والهجرة إلى جميع أنحاء العالم، إلا إن علماء التاريخ واللغات القديمة يصرون أن يبقوا اللغة السومرية لغة منفردة لم يعثروا لها على شبيه في هذا العالم.
إن التشابه أو التقارب في الألفاظ المعبرة عن الحياة الطبيعية الأولية دليل على الصلة بين لغة وأخرى، وكون اللغة كائن حي متطور يجعلنا ننظر في ألفاظ الحياة الأولى، فنجد أن عدد كبير منها أحادية المقطع، وترى ذلك في المعاجم. وعند تطور الحياة لشعب ما يدخل استعمال مقطع آخر لزيادة التعبير عن الأشياء التي لا يكفي مقطع للتعبير عنها، ثم يضاف الثالث عند الحاجة.
لعل اللغة العربية هي استمرار للغات التي حكاها الانسان العاقل الأول الذي الذي حاول إيجاد وسيلة اتصال، فبدأ بالحرف واحد ثم أضاف إليه حرف آخر عندما زادت الحاجة، ليصبح الجذر ثنائياً، وكانت هذه مرحلة اللغة السومرية. ثم الثالث في المرحلة الأكادية بعد ذلك. ونحن نجد أن الكثير من الكلمات الأساسية مثل كلمات العائلة تبدأ بحرفين مثل: أخ، أب، أم، جد، ثم أضاف الحروف إلى بعضها ليصنع جذراً ثلاثياً. ويضيف الكثير من الكلمات لضرورية والتي نتجت معه خلال زيادة معلوماته الإنسانية والحضارية.يقول علي فهمي الخشيم: وكون اللغة كائن حي متطوراً يجعلنا ننظر في ألفاظ هذه الحياة الأولى فنجد ظاهرة تدعو إلى التأمل والنظر، إنها في عدد كبير منها أحادية المقطع فيما سجل من الآثار المصرية، وهي كذلك في المعاجم العربية، حتى العروبية القديمة، ذلك لأن الانسان في بداية عهد سحيق في القدم كان يعبر بالمقطع الواحد عن أمرٍ ما(فهو لا يزال في مرحلة الحيواني لم تتطور أدوات الكلام لديه).
ثم نمت قدراته واتسعت مداركه وتطورت أدواته الصوتية والعقلية فجاءت مرحلة (الجذر الثنائي) للألفاظ، وتلت ذلك مرحلة (الجذر الثلاثي) أوضح ما تكون في العربية العدنانية، وهي مرحلة متطورة جداً ربما يمكننا القول أنها «مرحلة الكمال ().»
وفي هذه المرحلة العليا نزل القرآن الكريم أكمل صورة لفظاً ودلالة، ومن قبله ما جرت العادة على تسميته بالشعر الجاهلي، أي شعر ما قبل الإسلام، وتدل تركيباته وألفاظه على أن العربية إبانها كانت قد بلغت حداً عالياً من التطور والنمو جعل منها لغة بالغة الرقي والقدرة على التعبير الدقيق في مختلف نواحي الحياة البيئية التي يحياها عرب الجزيرة.
طبيعة جنوب جزيرة العرب وشرق افريقيا متشابهة، وليس في الكلام القديم ما يكشف مواطن الراحلين الأوّل فربما تضمّنت الكتلة اللغوية الجنينية أصولا أحادية أو ثنائية من بيئات غير معروفة في شرق أفريقيا (حيث الحبشة اليوم وما يجاورها) أو في جنوبها (ربما صحراء كالاهاري في جنوب أفريقيا) سبقت عبور جماعات من الانسان الحديث البحر الأحمر إلى جزيرة العرب قبل 50 ألف سنة حسب البعض، وقبل زمن أقدم بكثير حسب البعض الآخر ().
وذلك ما يذكره عادل بشتاوي في نظرية تأصيل الكلام بعدة نقاط:
1- أن الكلام يعبر عن المرحلة الحضارية التي اخترع لها، فقد بدأ الكلام بحرف واحد، عند الانسان الأول، ثم تطور إلى حرفين، ثم ثلاثة في عصر الزراعة، والأمثلة كثيرة.
2- اللغة السومرية هي المرحلة العربية قبل الزراعة، لذلك نجد الجذور ذي الحرفين فيها ولم تستطع اللغة التطور وحدها، فدخلت عليها اللغة الأكدية وأضافت الحرف الثالث، في عصر الثورة الحجرية الحديثة.
3 - اللغة الأكدية هي أقدم شكل للعربية الحديثة أو ما يسمى بالفصحى. أي أن اللغة العربية هي تطور للغات المحكية في العصور السابقة، أي العربية العاربة (الأصلية)، وبها بدأت الكتابة!!
