تخيم حالة من الحزن والترقب على خيمة بسيطة في منطقة المواصي بمدينة خان يونس، حيث تعيش عائلة العقاد أياما ثقيلة بانتظار خيط رفيع ينهي غموض مصير اثنين من أفرادها اختفيا منذ أكثر من عامين دون أي معلومة رسمية تذكر. وتتجدد الآلام مع كل لقطة تظهر في وسائل الإعلام، إذ أثارت صورة متداولة لجندي يظهر سيدتين معصوبتي الأعين داخل آلية عسكرية موجة من التساؤلات، بعد أن رجحت العائلة أنهما من أفرادها المفقودين منذ اندلاع الحرب.
واضافت إحدى قريبات المفقودين في حديث يمزج بين الألم والتمسك بالأمل، أن العائلة لا تزال تنتظر عودتهما وتتمسك بفرضية نجاتهما رغم قسوة الظروف. واكدت قريبة أخرى أن عمليات البحث بين الركام لم تتوقف منذ اللحظة الأولى، مشيرة إلى أن العائلة كانت تعتقد في البداية بوجودهما تحت الأنقاض، لكن عمليات المسح المكثفة لم تفض إلى أي أثر مادي يؤكد تلك الفرضية المحزنة.
وبينت الرواية العائلية أن الأحداث بدأت خلال اجتياح ديسمبر عام 2023، حين تعرضت المنطقة لعمليات عسكرية واسعة انتهت بمقتل الأب واعتقال الابن، بينما تلاشت أخبار الأم وابنتها في ظروف غامضة، مما ترك العائلة في دوامة من التساؤلات حول مصيرهما المجهول في ظل غياب أي رد من الجهات المعنية.
خيوط غامضة ومطالبات بالتحقيق
وكشفت إحدى قريبات العائلة عن تفاصيل لحظة الاقتحام، حيث أشارت إلى أن القوات دخلت المنطقة واعتلت إحدى العمارات المجاورة، مما أسفر عن مقتل قريبهم برصاص مباشر، بينما اختفى مصير السيدتين في تلك اللحظات العصيبة. وشددت العائلة على أن الصمت الدولي حيال هذه القضية يعد تقصيرا فادحا، مطالبة بضرورة الكشف عن مصير المفقودين الذين تحول غيابهم إلى كابوس يومي.
واوضح مدير مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان علاء سكافي، أن المؤسسة قدمت مخاطبات رسمية للجانب الإسرائيلي للاستفسار عن مصير المفقودتين، إلا أنها لم تتلق أي رد حتى الآن، مرجحا وجود مؤشرات قوية ترقى إلى جريمة الإخفاء القسري. واظهرت تقارير هيئة حقوق الإنسان أن أعداد المفقودين والمخفين قسريا في القطاع بلغت أرقاما مفزعة تتجاوز 11 ألف شخص، بينهم الآلاف من النساء والأطفال.
واضافت تقارير حقوقية أن تداعيات هذه الأزمة لا تقتصر على الجانب الإنساني، بل تمتد لتشكل أزمة اجتماعية وقانونية معقدة، حيث تعيش العديد من النساء حالة معلقة بين كونهن زوجات أو أرامل، مما يعيق قضايا الإرث والزواج ويضاعف من المعاناة الاقتصادية للأسر التي فقدت معيلها في ظروف الحرب.
تحديات التوثيق في زمن الحرب
وبينت مؤسسات حقوقية أن تفاقم أزمة المفقودين يعود إلى عوامل تقنية وميدانية معقدة، أبرزها النزوح القسري وانهيار شبكات الاتصالات والسجل المدني، مما جعل عملية التوثيق شبه مستحيلة في ظل استمرار العمليات العسكرية. واكدت أن وجود آلاف الضحايا تحت الأنقاض، إلى جانب عمليات الدفن الاضطراري التي جرت دون توثيق، ساهم بشكل مباشر في ضياع هوية الكثيرين.
واضافت المؤسسات أن صعوبة الوصول إلى المناطق الساخنة منعت فرق الإنقاذ من أداء مهامها، كما أن القصف أدى إلى تدمير الأدلة المادية وأنظمة المراقبة التي كانت قد توفر معلومات حاسمة. وشددت على أن تدمير المقابر ونبش القبور أدى إلى ضياع علامات الدفن، مما جعل التعرف على الرفات عملية بالغة الصعوبة والتعقيد.
واوضحت وزارة الصحة في بياناتها أن مئات الجثث تم دفنها دون التعرف على هويتها بسبب تحللها أو غياب البيانات التعريفية، مشيرة إلى أن غالبية هذه الجثث استقرت في مقابر جماعية، وهو ما يضيف فصلا جديدا من الغموض على ملف المفقودين الذي يمثل الجرح الأكثر إيلاما للأهالي في غزة.
