تتجه المكسيك والاتحاد الاوروبي نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية عبر توقيع اتفاق تجارة حرة موسع يهدف الى اعادة رسم خارطة التبادلات التجارية الدولية. وتأتي هذه الخطوة في توقيت حساس يشهد فيه العالم تحولات اقتصادية متسارعة، حيث يسعى الجانبان الى تعزيز استقلاليتهما الاقتصادية وتقليص الارتهان المفرط للسوق الامريكية في ظل سياسات الحمائية الجمركية المتصاعدة التي فرضتها واشنطن مؤخرا.
واكدت المصادر الرسمية ان الرئيسة المكسيكية كلاوديا شينباوم ستلتقي مع قيادات الاتحاد الاوروبي في مكسيكو سيتي لاتمام مراسم التوقيع على الاتفاقية التاريخية. وبينت التحليلات ان هذا الاتفاق يمثل توسيعا شاملا لاتفاقية عام الفين ليغطي قطاعات حيوية جديدة مثل الخدمات، التجارة الرقمية، المشتريات الحكومية، والاستثمارات الزراعية التي كانت خارج اطار التفاهمات السابقة.
واوضحت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الاوروبي كايا كالاس ان هذه القمة تتجاوز مجرد تبادل السلع لتصبح رسالة جيوسياسية واضحة للعالم. واضافت ان الاتحاد والمكسيك يضعان اليوم حجر الاساس لتنويع شركائهما التجاريين بعيدا عن التوترات التي خلفتها الرسوم الجمركية الامريكية على قطاعات السيارات والصلب والالمنيوم.
ابعاد اقتصادية وتوقعات نمو الصادرات
وكشفت وزارة الاقتصاد المكسيكية عن توقعات طموحة تشير الى ارتفاع حجم الصادرات الوطنية الى الاسواق الاوروبية بشكل ملحوظ خلال السنوات القادمة. واشارت الارقام الى ان التبادل التجاري بين الطرفين شهد نموا بنسبة خمسة وسبعين بالمئة خلال العقد الماضي، مما يجعل من السوق الاوروبية وجهة بديلة ومثالية للمنتجات المكسيكية التي كانت تذهب غالبيتها الى الولايات المتحدة.
وبينت التفاهمات الجديدة ان الاتفاق سيعمل على رفع الحواجز الجمركية بشكل شبه كامل عن معظم السلع الغذائية والزراعية. وذكرت تقارير اقتصادية ان المكسيك ستستفيد من فتح الاسواق الاوروبية امام الدجاج والهليون، بينما ستجد المنتجات الاوروبية مثل الاجبان واللحوم فرصا اوسع للانتشار داخل المدن المكسيكية.
واكد خبراء الاقتصاد ان هذا التحرك يمنح المكسيك متنفسا حقيقيا لتقليل اعتمادها على السوق الامريكية التي تستوعب حاليا اكثر من ثمانين بالمئة من صادرات البلاد. واضاف المراقبون ان الاتفاق يعكس رغبة متبادلة في حماية الاقتصاديات المحلية من تقلبات السياسة الامريكية وضمان استقرار سلاسل الامداد في ظل التوترات العالمية.
مستقبل العلاقات التجارية في ظل التجاذبات الدولية
وذكرت المصادر ان الاتفاق واجه فترة تأجيل طويلة بسبب حرص الحكومة المكسيكية على تجنب اي خطوات قد تثير حفيظة واشنطن خلال مفاوضات تجديد اتفاقيات التجارة القارية. واوضحت ان الاتحاد الاوروبي كان منشغلا ايضا بملفات تجارية اخرى مع دول امريكا الجنوبية واندونيسيا، لكن الملف المكسيكي بات اليوم اولوية قصوى لتعزيز الحضور الاوروبي في المنطقة.
وتابعت التقارير ان الاتفاق سيحال قريبا الى البرلمان الاوروبي للمصادقة عليه في ظل توقعات بمروره بسلاسة تامة. وبينت ان هذه الخطوة تعد مؤشرا قويا على اتجاه القوى الدولية نحو اعادة هيكلة تحالفاتها بعيدا عن القطبية الواحدة.
وشدد المحللون على ان هذا التوجه نحو التعددية التجارية يمثل استجابة طبيعية للمناخ الجيوسياسي الجديد. واضافوا ان العالم يشهد الان ولادة تكتلات اقتصادية اكثر توازنا تهدف الى حماية المصالح الوطنية من تبعات الحروب التجارية والنزعات الانغلاقية التي تفرضها القوى العظمى.
