بقلم الدكتور موسى العوضات

ما أقسى أن تُسمعَ تكبيراتُ العيدِ وهي تملأُ الأسماع، وقلبُكَ مثقلٌ بهمِّ يومكَ، ويداكَ خاليتانِ من زادٍ يُفرحُ به الأهلُ والصغار.  
تُقبلُ الأيامُ المباركةُ والناسُ على حالٍ لا يُحسدون عليها: ما جمعوهُ قد نفِدَ، وما استدانوهُ قد أثقلَ كواهلهم، والشهرُ الجديدُ لم يطلعْ بعد.

ليس الشاكونَ اليومَ من أهلِ البطرِ والترف، وإنما هم قومٌ أعيتهم الحيلةُ في تدبيرِ القوتِ ودفعِ المُلِمّات.  
رواتبُ تتبدّدُ في متاهاتِ الحاجات، ودخولٌ تضاءلت حتى صارت لا تكفي لسدِّ الرمق، وبيوتٌ تُديرُ معركةَ البقاءِ على جبهةِ الخبزِ والدواءِ والفواتيرِ المتراكمة.

ثم يطلُّ عيدُ الأضحى، وهو يومٌ كان الناسُ يلقونهُ بسعةِ حالٍ وفسحةِ بال، يُكرمونَ فيه الأهلَ، ويُفرحونَ فيه الصغارَ، ويصلونَ به الأرحام.  
أمّا الآن، فقد دخلَ كثيرونَ عليه وهم عالةٌ على الدين، مؤجّلونَ للفرحِ إلى حينٍ مجهول، كاظمونَ للوجعِ حياءً، مُظهرونَ للبشرِ ابتسامةً يفضحُها ما في العينِ من انكسار.

وأشدُّ ما في الأمرِ ليس العوزُ ذاته، بل عجزُ المرءِ عن مشاركةِ الناسِ أفراحهم.  
أن ترى الأضحيةَ حلماً بعيدَ المنال، وكسوةَ العيدِ ترفاً لا يُطاق، وإكرامَ الضيفِ عبئاً يُثقلُ الكاهل.  
فيُجبرُ الأبُ على كتمِ أنينه، وتُجاهدُ الأمُّ في اختلاقِ بهجةٍ مصطنعة، وينشأُ الصغارُ على فهمٍ مبكّرٍ أنّ البيتَ ضاق، وأنّ الفرحَ صارَ ترفاً.

غيرَ أنّ في هذه الأمةِ بقيةً من مروءةٍ لا تموت.  
ما زالَ فيها من يقسمُ لقمتهُ نصفين، ويُخفي صدقتهُ عن العيون، ويتفقّدُ جارهُ قبل أن يسألَ عن نفسه.  
وفي العيدِ سرٌّ لا يُشترى بالمال: أنّه موسمُ جبرِ الخواطر، وتذكيرٌ بأنّ الناسَ لبعضهم، وأنّ من ضاقت يدهُ اليومَ، فقد يفتحُ اللهُ عليه غداً من حيثُ لا يحتسب.

فيا أهلَ السعة، أبوابُ الأجرِ مشرّعةٌ أمامكم.  
تفقّدوا من حولكم، فإنّ في الجوارِ بيوتاً لا يُسمعُ لها صوت، وفيها قلوبٌ تتقطّعُ حياءً وعِفّة.  
ويا أهلَ الحاجة، لا تأخذكم الحَرِجَةُ من حالكم. فالفقرُ ليس مذمّة، والعجزُ عن الشراءِ لا ينتقصُ من قدرِ الرجل.  
قدرُكم في صبركم، وفي صونِ وجوهكم، وفي رضاكم حين ضاقت الأسبابُ وتعذّرَ المخرج.

عيدُ الأضحى ليس شعيرةَ ذبحٍ فحسب، بل هو معنىً يُحيي معنى المواساةِ في الضيق، ومعنى أن يُوسّعَ القادرُ على المعسرِ بما استطاع .