إذا أظلّكَ يومُ عرفةَ، فاعلم أنّك واقفٌ على بابٍ لا يُفتحُ إلّا لقلبٍ خلعَ عنهُ ثوبَ الدنيا، ودخلَ بثوبِ الذلّةِ والانكسار.
ليسَ يومًا كالأيام، ولا وقفةً كالوقفات. إنّهُ يومٌ تتنزّلُ فيهِ الرحماتُ كما يتنزّلُ الغيثُ على أرضٍ جدباءَ، فتغسلُ ما علقَ بالروحِ من غبارِ السنين.
في عرفةَ يصمتُ الضجيجُ، ويعلو صوتُ الدعاء.
هنا تُمحى صحائفُ الخطايا لا بمدادٍ، بل بدمعةٍ حارّةٍ تسيلُ على خدٍّ عرفَ ربّهُ فخجلَ.
هنا تعتقُ الرقابَ، ويُجابُ السائلُ، ويُقالُ للملائكة: "أشهدوا أنّي قد غفرتُ لهم".
وأمّا صيامُ هذا اليومِ لمنْ لم يحجّ، فهوَ صكُّ براءةٍ منْ ذنوبِ عامٍ مضى، ودرعٌ حصينٌ لعامٍ آت.
صيامٌ ليسَ امتناعًا عن طعامٍ وشراب، بل ارتقاءٌ عنْ شهوةٍ وغفلة.
كأنّكَ تصومُ بقلبكَ قبلَ جوفك، فتصعدُ النفسُ إلى معارجِ القُربِ، وتقفُ على شرفةِ السماءِ تسمعُ نداءَ: *"اليومَ أكملتُ لكم دينكم"*.
يا منْ فاتهُ الوقوفُ بعرفةَ بأبدانهِ، لا يفتكَ الوقوفُ بها بقلبكَ.
اجعلْ يومكَ هذا عرفةَ خلوةٍ بينكَ وبينَ ربّك.
خلِّ عنكَ الهاتفَ، واطوِ صفحاتِ الدنيا، وقلْ بلسانِ الحالِ قبلَ المقال: "لبّيكَ اللهمّ لبّيكَ، لبّيكَ لا شريكَ لكَ لبّيكَ".
في عرفةَ تُولدُ القلوبُ منْ جديد،
وتُكتبُ الأقدارُ بمدادِ الرجاء،
ويُعلنُ العبدُ انتماءهُ الوحيد: *"عبدٌ للهِ، ولا عبدَ لسواه"*.
فصمْهُ إنْ استطعت، فإنّهُ يومٌ إنْ مرّ، مرّتْ معهُ فرصةٌ لا تُعوّض.
يومٌ إنْ فزتَ فيهِ، فقدْ فزتَ فوزًا عظيمًا.
د. موسى العوضات
