بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

ما جرى في البتراء مؤخراً من مشاهد وسلوكيات مستهجنة أثارت غضب الأردنيين واستياءهم ليس حدثاً عابراً يمكن تجاوزه بالصمت، بل إساءة مباشرة لمكان يحمل في حجارة جباله تاريخ أمة، وفي أروقته ذاكرة حضارة عظيمة صنعت مجداً ما زال العالم يقف أمامه منبهراً حتى يومنا هذا.

البتراء ليست مجرد موقع سياحي، وليست مجرد مقصد للزوار من مختلف أنحاء العالم، بل هي عنوان من عناوين الهوية الأردنية والعربية، وواحدة من أعظم الشواهد على عبقرية الإنسان العربي النبطي الذي نحت الصخر فصنع معجزة خالدة أدرجها العالم بين عجائب الدنيا السبع الجديدة.

فهل يعقل أن يتحول هذا الإرث الحضاري العظيم إلى ساحة لمظاهر الانفلات والسلوكيات التي تخدش الحياء العام وتتنافى مع قيم المجتمع الأردني وأخلاقه؟

إن أهل وادي موسى وأبناء البتراء كانوا وما زالوا عبر التاريخ نموذجاً في الكرم والشهامة والأصالة وحسن استقبال الضيوف. وقد استقبلوا الزوار من مختلف الجنسيات والثقافات، وقدموا صورة مشرقة عن الأردن وأهله، دون أن يتخلوا يوماً عن قيمهم أو يسمحوا بالمساس بحرمة أرضهم وتراثهم.

لقد عرف العالم البتراء من خلال جمالها وتاريخها وعراقتها، لا من خلال مشاهد العبث والاستهتار. والسياح الذين يقصدونها يأتون لرؤية واحدة من أعظم الكنوز الحضارية في العالم، والاستمتاع بطبيعتها الساحرة وتاريخها الفريد، لا لمشاهدة سلوكيات تسيء للمكان وتشوه صورته.

ومن المهم التأكيد أن البتراء عبر تاريخها كانت وما زالت مقصداً للزوار من مختلف أنحاء العالم للاطلاع على إرثها الحضاري والتاريخي، وأن السياحة فيها قائمة على احترام المكان والناس والقيم، لا على أي مظاهر دخيلة أو سلوكيات مرفوضة.

إن ما حدث مرفوض جملة وتفصيلاً، ويجب أن يكون جرس إنذار يدفع الجهات المعنية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تكراره مستقبلاً، والحفاظ على صورة البتراء التي نريدها دائماً: رمزاً للحضارة، ومنارة للتاريخ، وواجهة مشرّفة للأردن أمام العالم.

إن حماية البتراء ليست مسؤولية أهلها وحدهم، بل مسؤولية وطنية تقع على عاتق الجميع. فالمحافظة على قدسية المواقع التاريخية والتراثية واحترام خصوصية المجتمع الأردني وقيمه أمر لا يقبل المساومة أو التهاون.

تحية لأهل وادي موسى الكرام، أصحاب المروءة والشهامة والوفاء، الذين كانوا وما زالوا حراساً لهذا الإرث العظيم. وتحية لكل أردني غيور يرفض الإساءة إلى وطنه وتاريخه وقيمه.

ستبقى البتراء شامخة كما كانت عبر القرون، وستبقى رمزاً للعزة والكرامة والحضارة، أكبر من كل محاولة للإساءة إليها أو الانتقاص من مكانتها. فالأردن بلد الأصالة والقيم، والبتراء جوهرة من جواهره الثمينة التي لا يجوز العبث بها أو المساس بحرمتها تحت أي ذريعة كانت