بقلم: عوني الرجوب

باحث وكاتب سياسي

طفح الكيل، ولم يعد لدى أهالي كتم متسع من الصبر على مشروع طريق طال انتظاره أكثر مما يحتمل المواطن، حتى بات هذا الطريق مثالاً صارخاً على المعاناة اليومية التي يدفع ثمنها الناس من وقتهم وأموالهم وأعصابهم.

فمنذ أشهر طويلة والطريق الرابط بين كتم والحصن مغلق بحجة أعمال التوسعة والصيانة، بينما يُجبر المواطنون يومياً على سلوك طرق بديلة طويلة ومرهقة، تستنزف الوقود والوقت والجهد، من أجل مسافة لا تحتاج في الظروف الطبيعية إلى أكثر من دقائق معدودة.

فبدلاً من الانتقال المباشر بين البلدتين، يضطر المواطن إلى الالتفاف عبر طريق إربد – عمّان مروراً بمنطقة النعيمة، ثم العودة مجدداً نحو الحصن، في رحلة مرهقة لا مبرر لها، تزيد زمن التنقل عدة أضعاف وتضيف أعباءً مالية متكررة على المواطنين.

والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا كل هذا التأخير؟

ولماذا لم يتم إنشاء تحويلة مؤقتة ومباشرة بين كتم والحصن تخفف معاناة الناس طوال هذه المدة؟

هل يُعقل أن تعجز الجهات المسؤولة عن فتح مسار بديل مختصر، بينما نشاهد في مناطق أخرى تحويلات مؤقتة تُنشأ خلال أيام حفاظاً على مصالح المواطنين؟

أم أن صمت أهالي كتم وصبرهم الطويل فُهما على أنه قبول بالأمر الواقع؟

أهالي كتم ليسوا مواطنين من درجة ثانية، وليسوا خارج حسابات الدولة. هم مواطنون أردنيون لهم الحق ذاته في الخدمات والبنية التحتية والاهتمام الرسمي، ويستحقون أن تُسمع أصواتهم وأن تؤخذ معاناتهم على محمل الجد.

والحقيقة أن المتضرر الأكبر من هذا الإغلاق هم أهالي كتم أنفسهم، لأن منفذهم الطبيعي والرئيسي نحو الحصن ومن ثم إلى مدينة إربد، وليس عبر النعيمة أو من خلال الالتفاف إلى الشارع العام وجسر النعيمة. ولذلك فإن العبء الأكبر من هذا التأخير يقع على سكان كتم الذين يدفعون الثمن يومياً من وقتهم وأموالهم وأعمالهم.

كما أن كتم والحصن تربطهما علاقات جوار ونسب ومصاهرة ومصالح تجارية واجتماعية ممتدة منذ عقود طويلة، حتى إن كثيراً من أبناء البلدتين تجمعهم روابط عائلية مباشرة. وقد يكون منزل أحد الأقارب أو الأصهار على بعد دقائق معدودة فقط، لكن إغلاق الطريق جعل الوصول إليه يتطلب رحلة طويلة ومرهقة، وكأن المسافة بين البلدتين أصبحت عشرات الكيلومترات بعد أن كانت لا تستغرق سوى دقائق قليلة.

ولم تتوقف المعاناة عند أصحاب المركبات الخاصة، بل امتدت إلى قطاع النقل العام أيضاً. فالباصات التي تنطلق يومياً من كتم إلى إربد تحمل الطلاب المتوجهين إلى جامعاتهم ومدارسهم، والمرضى المتجهين إلى المستشفيات والمراكز الصحية، والمراجعين للدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية. وقد أصبحت هذه الرحلات أطول وأكثر كلفة بسبب الطريق البديل المفروض على الجميع.

وأصبح أصحاب الباصات أنفسهم يشكون من طول المسافة وارتفاع استهلاك الوقود وزيادة ساعات العمل، في حين يتحمل المواطن في النهاية نتائج هذا الواقع من وقته وماله وجهده.

فما ذنب الأهالي بكل هذا التأخير؟

وما ذنب الطالب الذي يضطر للاستيقاظ أبكر من المعتاد ليصل إلى جامعته أو مدرسته؟

وما ذنب المريض الذي ينتظر موعداً طبياً أو علاجاً يحتاجه؟

وما ذنب الموظف أو المراجع الذي أصبح مضطراً لقطع مسافات أطول بسبب مشروع لم يظهر له حتى الآن موعد واضح للانتهاء؟

أين دور الجهات المعنية في متابعة المشروع وتسريع إنجازه؟

وأين دور بلدية بني عبيد؟

وأين دور وزارة الأشغال العامة والإسكان؟

وأين دور وزارة الإدارة المحلية؟

وأين الجهات الرقابية التي يفترض أن تتابع نسب الإنجاز وتحاسب على التأخير؟

المواطن لا تعنيه المبررات الإدارية ولا تبادل المسؤوليات بين المؤسسات، بل تعنيه النتيجة على أرض الواقع. وما يراه اليوم هو طريق مغلق منذ أشهر طويلة، ومعاناة يومية مستمرة، دون جدول زمني واضح أو تفسير مقنع أو حلول تخفف من آثار هذا الإغلاق.

والأمر لا يتعلق بالراحة فقط، بل بالخدمات الأساسية أيضاً.

ماذا لو احتاج مريض إلى إسعاف عاجل؟

وماذا لو وقع حريق أو حادث يستدعي تدخلاً سريعاً من الدفاع المدني؟

هل من المنطقي أن تضطر مركبات الطوارئ إلى قطع مسافات إضافية بسبب غياب التخطيط والحلول البديلة؟

إن المشاريع التنموية وجدت لخدمة المواطنين لا لتعقيد حياتهم، ومن غير المقبول أن يبقى طريق حيوي يربط بين منطقتين كبيرتين مغلقاً لهذه المدة الطويلة دون معالجة جادة وسريعة.

ولا أضع اللوم كاملاً على المقاول، فالمقاول يعمل وفق شروط العطاء والمدة المحددة له، أما المسؤولية الحقيقية فتقع على أصحاب القرار والجهات المشرفة عليه، التي تتابع التنفيذ وتراقب الأداء وتملك صلاحية التدخل لتسريع العمل ومعالجة أي تأخير.

إن أهالي كتم لا يطلبون امتيازات خاصة، ولا يبحثون عن معاملة استثنائية، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في طريق آمن ومفتوح، وخدمة عامة تليق بالمواطن الأردني الذي يتحمل الأعباء والضرائب ويستحق أن يرى نتائجها على أرض الواقع.

لقد صبر الناس كثيراً، لكن للصبر حدوداً.

وحان الوقت لقرار واضح وسريع: إما تسريع الإنجاز وفتح الطريق في أقرب وقت ممكن، أو إنشاء تحويلة مناسبة وآمنة تنهي هذه المعاناة المستمرة. وهذا أمر ليس صعباً ولا مستحيلاً، إذا كانت هناك إرادة حقيقية لخدمة أهالي كتم والحصن والتخفيف من معاناتهم.

أما استمرار الوضع على ما هو عليه، فهو رسالة سلبية للمواطن الذي بات يشعر أن وقته وراحته ومصالحه ليست ضمن أولويات بعض الجهات المعنية.

فكرامة المواطن ليست شعاراً، والخدمات ليست وعوداً، والتنمية لا تُقاس بما يُكتب في التقارير، بل بما يلمسه الناس على أرض الواقع. وأهالي كتم اليوم لا يطلبون المستحيل، بل يطالبون بحقهم الطبيعي في طريق مفتوح يربطهم بمدينتهم ومصالحهم وحياتهم اليوميه