بقلم: م. نبيل إبراهيم حداد
تناقلت الأخبار مؤخراً خبراً مهماً ومفرحاً مفاده أن مستشفى الزرقاء الحكومي نجح في إجراء أول عملية قلب مفتوح لشخص خمسيني كان يعاني من ضعف في عضلة القلب، وذلك بعد استكمال تجهيز قسم جراحة القلب المفتوح في المستشفى، وقد غادر المريض المستشفى بعد تماثله للشفاء.
ووفقاً لما ورد في الخبر، فإن هذا الإنجاز يعد الأول من نوعه في جميع القطاعات الصحية بمحافظة الزرقاء، وقد جاء تنفيذاً لتوجيهات رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، الذي أوعز خلال زيارته إلى المستشفى باستحداث قسم متخصص لجراحة القلب المفتوح، بهدف تطوير الخدمات الصحية المقدمة لأبناء المحافظة، وتخفيف العبء عن المرضى الذين كانوا يضطرون إلى مراجعة مستشفيات العاصمة لتلقي هذا النوع من العلاج.
كما أشار الخبر إلى أن أعمال التطوير في المستشفى لم تقتصر على قسم جراحة القلب المفتوح، بل شملت أيضاً تنفيذ أعمال صيانة وتحديث في عدد من المرافق، إضافة إلى تسليم موقع مشروع العناية الحثيثة لمتعهد العطاء، تمهيداً لاستحداث 27 سرير عناية حثيثة جديدة خلال أربعة أشهر، بما يعزز جاهزية المستشفى ويرفع كفاءة الخدمات الطبية المقدمة للمواطنين.
هذا الخبر يستحق التقدير بلا شك. فهو لا يتحدث فقط عن نجاح عملية جراحية متقدمة، بل عن نقلة نوعية في مستوى الخدمات الصحية في محافظة الزرقاء. فالمحافظة كبيرة وكثيفة السكان، ومن غير المنطقي أن يبقى أبناؤها معتمدين بصورة شبه كاملة على مستشفيات العاصمة في خدمات تخصصية حيوية مثل جراحة القلب المفتوح والعناية الحثيثة.
لكن خلف هذا الإنجاز الإيجابي يبرز سؤال إداري مهم: لماذا يحتاج التطوير الطبيعي في بعض المؤسسات إلى تدخل أو توجيه مباشر من مسؤول رفيع حتى يبدأ؟
إن توجيهات رئيس الوزراء وتدخله لدفع عجلة التطوير أمر محمود ومقدر، ويدل على اهتمام مباشر بالخدمة العامة واحتياجات المواطنين. إلا أن المؤسسات الناجحة لا ينبغي أن تنتظر دائماً زيارة مسؤول أو توجيهاً من قمة الهرم الإداري حتى تكتشف حاجاتها أو تتحرك لمعالجتها. فالتطوير المؤسسي يجب أن يكون جزءاً من العمل الطبيعي للإدارة، لا استجابة استثنائية بعد تدخل رسمي.
كان من المفترض أن تكون حاجة محافظة الزرقاء إلى قسم جراحة قلب مفتوح، وإلى زيادة أسرة العناية الحثيثة، وإلى تحديث مرافق المستشفى، جزءاً من التخطيط الصحي المرحلي منذ سنوات. مثل هذه الاحتياجات يمكن قراءتها من خلال عدد السكان، ونسب الإحالات إلى عمان، وطبيعة الأمراض المزمنة، وحجم الضغط على المستشفيات، وكلفة التنقل على المرضى وذويهم، ومستوى الخدمة المتاحة داخل المحافظة.
وهنا تظهر مشكلة إدارية أوسع لا تخص هذا المستشفى وحده، بل كثيراً من المؤسسات العامة. المشكلة ليست دائماً في غياب الموارد فقط، بل في ضعف بناء القدرات القيادية والإدارية داخل المؤسسة. فبعض الإدارات تنشغل بتسيير العمل اليومي، لكنها لا تمارس بما يكفي دورها في النمو الطبيعي، وقراءة المستقبل، وتحديد الفجوات، واقتراح المشاريع، وإعادة تصميم الإجراءات.
الإدارة الفاعلة لا تكتفي بأن تقول: “نحن ننتظر التوجيهات”. الإدارة الفاعلة تدرس، وتقيس، وتقارن، وتقترح، وتبادر، وتضع أمام صاحب القرار خططاً واضحة مبنية على بيانات ومؤشرات. المدير الناجح لا ينتظر تراكم المشكلة حتى تصبح قضية عامة، بل يعمل على تحويل الحاجة إلى مشروع، والمشكلة إلى خطة، والخطة إلى برنامج زمني قابل للتنفيذ والقياس.
ولهذا فإن تطوير مهارات المديرين والقادة في المؤسسات العامة أصبح ضرورة وطنية، وليس ترفاً تدريبياً. نحن بحاجة إلى قيادات قادرة على التعامل مع أربعة محاور رئيسية:
الأول هو النمو الطبيعي للمؤسسة، أي أن تتوسع الخدمات تدريجياً بما يتناسب مع نمو السكان واحتياجات المجتمع، دون انتظار الأزمات أو التوجيهات الطارئة.
الثاني هو تلبية المتطلبات الفورية، أي القدرة على التعامل السريع مع النقص في الأسرّة، أو الأجهزة، أو الكوادر، أو الصيانة، أو ضغط المراجعين، من خلال حلول عملية قابلة للتنفيذ.
الثالث هو التفكير والتخطيط الاستراتيجي، بحيث لا تنظر الإدارة إلى المؤسسة من زاوية اليوم فقط، بل من زاوية السنوات القادمة: ما الخدمات التي يجب إضافتها؟ ما التخصصات التي تحتاجها المحافظة؟ ما حجم الطلب المتوقع؟ وما نوع الكوادر التي يجب إعدادها؟
أما الرابع فهو إعادة هندسة إجراءات العمل، لأن بعض المؤسسات لا تعاني فقط من نقص الإمكانيات، بل من إجراءات قديمة وبطيئة، ومسارات عمل غير فعالة، وتداخل في الصلاحيات، وضعف في قياس الأداء. أحياناً تكون المشكلة في طريقة العمل نفسها، لا في عدد العاملين أو حجم المباني فقط.
إن إنشاء قسم جراحة قلب مفتوح في مستشفى الزرقاء الحكومي خطوة مهمة، لكن نجاحه الحقيقي لن يقاس بالعملية الأولى وحدها. سيقاس النجاح بعدد العمليات التي ستجرى بكفاءة وأمان، وبنسبة المضاعفات، وبجودة العناية اللاحقة، وبقدرة القسم على الاستمرار، وبمدى توفر الكوادر المتخصصة، وبسرعة الاستجابة للحالات، وبرضا المرضى، وبانخفاض الحاجة إلى التحويل إلى مستشفيات العاصمة.
كذلك فإن استحداث 27 سرير عناية حثيثة خلال أربعة أشهر يمثل خطوة مكملة ومهمة، لأن جراحة القلب المفتوح لا تقوم على غرفة العمليات وحدها، بل على منظومة متكاملة تشمل التشخيص، والتحضير، والتخدير، والجراحة، والعناية الحثيثة، والتمريض المتخصص، والتأهيل، والمتابعة بعد الخروج من المستشفى.
لذلك، فإن الرسالة الأهم من هذا الإنجاز هي أن الدولة تستطيع أن تطور عندما توجد الإرادة والمتابعة. لكن المطلوب أن تنتقل هذه الإرادة من مستوى التوجيه الفردي إلى مستوى النظام المؤسسي المستدام. أي أن تصبح كل مؤسسة قادرة على تشخيص احتياجاتها ورفع مبادراتها وتنفيذ خططها ضمن رؤية واضحة، لا أن تنتظر دائماً من يوجهها من الخارج.
إن خبر مستشفى الزرقاء الحكومي يفرحنا كمواطنين، لأنه يعني أن خدمة طبية متقدمة أصبحت أقرب إلى الناس. لكنه في الوقت نفسه يدعونا إلى مراجعة أعمق لطريقة إدارة مؤسساتنا العامة. فالمطلوب ليس فقط افتتاح أقسام جديدة، بل بناء إدارات قادرة على التفكير، والتخطيط، والمبادرة، والتطوير المستمر.
وفي النهاية، فإن ما حدث في مستشفى الزرقاء الحكومي يجب أن يكون بداية لمسار جديد، لا حدثاً إعلامياً عابراً. مسار يقوم على أن التطوير لا ينتظر زيارة مسؤول، وأن الخدمة العامة لا تتحسن بالصدفة، وأن المدير العام أو مدير المؤسسة أو رئيس القسم يجب أن يكون قائداً للتغيير، لا مجرد منفذ للتعليمات.
فالإنجاز الطبي يستحق الشكر، والتوجيه الحكومي يستحق التقدير، لكن بناء الإدارة القادرة على النمو الذاتي والتفكير الاستراتيجي وإعادة هندسة العمل هو الضمان الحقيقي لاستمرار التحسن في خدمة المواطن.
