بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي

في كل مرحلة يخرج علينا من يظن أن الأوطان مجرد خطوط على الخرائط، وأن قيمة الدول تُقاس بشكل حدودها لا بتاريخها، ولا بشعوبها، ولا بما قدمته لأمتها والإنسانية.

والحقيقة أن مثل هذا الطرح لا يكشف شيئاً عن الأردن، بقدر ما يكشف ضحالة النظرة إلى مفهوم الدولة والوطن.

فالأردن ليس رسماً على ورقة، وليس شكلاً هندسياً يخضع لأذواق المتأملين أو تعليقات العابثين. الأردن وطن صنعته التضحيات، ورسخته دماء الشهداء، وبناه الأردنيون حجراً فوق حجر حتى أصبح دولة محترمة ذات حضور سياسي ودبلوماسي وإنساني يتجاوز كثيراً مساحتها الجغرافية وإمكاناتها المحدودة.

ومن المؤسف أن ينحدر بعض الخطاب إلى مستوى السخرية من شكل الوطن وحدوده، وكأن الدول العظمى في العالم رُسمت بمسطرة مهندس أو بريشة فنان. فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تكتسب قيمتها من شكل الخريطة، بل من قوة مؤسساتها، وتماسك مجتمعها، وقدرتها على حماية مصالحها وخدمة شعبها.

أما الادعاء بأن الأردن يشكل حاجزاً بين الدول العربية، فهو قول يناقض التاريخ والجغرافيا والواقع معاً. فالأردن كان وما يزال جسراً للتواصل العربي، وساحةً للقاء لا للفصل، وبلداً حمل أعباء الأمة فوق طاقته، وفتح أبوابه لإخوانه العرب في مختلف الأزمات والحروب والكوارث.

لقد كان الأردن ملاذاً للأشقاء عندما ضاقت بهم الأوطان، وحاملاً لهموم العرب عندما تخلى كثيرون عن مسؤولياتهم. ولم يكن يوماً سبباً في فرقة أو عائقاً أمام تواصل، بل كان دائماً صوت العقل والاعتدال والتقارب.

إن الإساءة إلى الأردن ليست إساءة إلى حدود مرسومة على خريطة، بل إساءة إلى شعب كريم عُرف بالوفاء والشهامة والانتماء، وإلى دولة دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.

ومن حق الأردنيين أن يتساءلوا: أليس من الوفاء أن يُحترم الوطن الذي احتضن الإنسان ومنحه الفرصة؟

فهذا البلد لم يغلق أبوابه في وجه أحد، بل استقبل الكثيرين ومنحهم حق التعليم والعمل والحياة الكريمة. ومن المؤسف أن يصدر الانتقاص من الأردن ممن دخل إليه طفلاً برفقة والده، وتلقى تعليمه على أرضه، ونهل من خيراته، ثم تدرج في أعلى المواقع والمسؤوليات حتى بلغ مناصب لم يصل إليها كثير من أبناء الأردن أنفسهم.

لقد منحه الأردن فرصة النجاح، وفتح أمامه أبواب الدولة، وأتاح له أن يكون جزءاً من صناعة القرار وأن يحمل أرفع الألقاب والمواقع. وكان المنتظر ممن حظي بكل ذلك أن يبادل الوطن وفاءً بوفاء، واحتراماً باحترام، لا أن يتحدث عنه بلغة السخرية والانتقاص.

فالأوطان التي تمنح أبناءها الثقة والمكانة تستحق منهم الاحترام، لا التقليل من شأنها. ومن الوفاء أن يُصان فضل الوطن، ومن الإنصاف ألا يتحول الاختلاف في الرأي إلى استخفاف بالبلاد التي احتضنت المسيرة ومنحت صاحبها المكانة والاعتبار.

لقد شرب من بئر الأردن، ونهل من خيراته، وتعلّم في مدارسه وجامعاته، وتدرج في أرفع المناصب التي أتاحها له هذا الوطن، لكن المؤسف أن بعض الناس ينسى فضل الأرض التي رفعته، فيرميها بالحجارة بدلاً من أن يرد لها الجميل بالكلمة المسؤولة والموقف المنصف.

ولهذا فإن الأردنيين لا يحتاجون إلى شهادات في قيمة وطنهم من أحد، ولا ينتظرون من أحد أن يحدد لهم مكانة بلدهم. فمكانة الأردن صنعها تاريخه، ورسختها مواقفه، وحفظتها تضحيات أبنائه.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الأردنيون بمرارة: إذا كان هذا هو الجزاء لوطنٍ علّم واحتضن ورفع وأعطى، فماذا يكون الوفاء إذن؟

سيبقى الأردن وطناً عصياً على الانتقاص، أكبر من أوصاف المستهترين، وأقوى من عبارات الساخرين، لأن الأوطان الحقيقية لا ترسمها الأقلام، بل تصنعها الشعوب.

ومن يجهل قيمة الأردن، فليقرأ التاريخ قبل أن يتحدث عن الجغرافيا، وليتذكر أن الأوطان لا تُقاس بشكل خرائط با بعظمة شعوبها ووفاء ابناءها