بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
من أبرز المؤشرات التي تكشف قوة الأحزاب أو ضعفها طبيعة العلاقة بين الأمين العام والقيادات المحيطة به. فالحزب الحقيقي لا يُبنى على شخص واحد مهما بلغت قدراته، وإنما يُبنى على منظومة من القيادات والكفاءات والخبرات القادرة على العمل والتأثير وصناعة الحضور السياسي بين الناس.
الأمين العام القوي يدرك هذه الحقيقة جيداً، ولذلك يسعى دائماً إلى استقطاب أصحاب الخبرة والتجربة والتاريخ الحزبي المشرف، ويمنحهم المساحة التي يستحقونها، لأن نجاحهم ينعكس على الحزب كله. وهو يعلم أن وجود قيادات تمتلك حضوراً شعبياً وقدرة على الخطابة والحوار والاستقطاب ليس تهديداً لموقعه، بل إضافة نوعية تعزز قوة الحزب وانتشاره.
أما الأمين العام الضعيف، فإنه ينظر إلى المشهد من زاوية مختلفة تماماً. فهو لا يخشى ضعف الحزب بقدر ما يخشى قوة الآخرين داخله.
يقلقه وجود شخصية مؤثرة، ويزعجه صعود قيادي يمتلك قبولاً شعبياً أو قدرة على جمع الناس حوله أو تاريخاً حزبياً ناصعاً. لذلك يبدأ بالبحث عن بيئة مريحة له، لا عن بيئة قوية للحزب، فيقترب ممن لا ينافسونه في الحضور أو التأثير، ويبتعد عن أصحاب الكفاءة الذين يمكن أن يشكلوا إضافة حقيقية للمسيرة الحزبية.
وفي كثير من الأحيان يعتقد البعض أن القوة السياسية مرتبطة بالمناصب الرسمية فقط، وكأن التأثير لا يأتي إلا من مقعد نيابي أو حقيبة وزارية أو موقع حكومي.
والحقيقة أن الشارع السياسي مليء بشخصيات لا تحمل أي منصب رسمي، لكنها تمتلك احترام الناس وثقتهم، وتستطيع أن تجمع حولها المؤيدين والأنصار وتؤثر في الرأي العام أكثر من كثير من أصحاب المناصب.
فالقيمة الحقيقية للقيادي لا تُقاس بما يحمله من لقب، بل بما يملكه من مصداقية وحضور وتأثير وقدرة على الإقناع وتحريك الناس نحو الفكرة والمشروع السياسي.
وهذه النوعية من القيادات هي الثروة الحقيقية لأي حزب يريد أن ينمو ويستمر ويحقق حضوراً وطنياً فاعلاً.
الأمين العام القوي يصنع قادة إلى جانبه، ولا يخشى وجودهم أو بروزهم، لأنه يدرك أن قوة الحزب تتعزز بتعدد القيادات المؤثرة وتكامل الأدوار بينها. وهو لا يخاف على موقعه من أصحاب الكفاءة والحضور، لأن الثقة بالنفس والقدرة على القيادة تجعله ينظر إليهم كشركاء في النجاح لا كمنافسين على المنصب. فالأقوياء يتنافسون في خدمة الحزب وتطويره، لكنهم لا يتصارعون خوفاً على المواقع.
أما الأمين العام الضعيف، فإنه غالباً ما ينشغل بحماية موقعه أكثر من انشغاله ببناء الحزب، فيبحث عمن يبقى خلفه لا إلى جانبه، ويحيط نفسه بأشخاص لا يشكلون أي تحدٍ لقيادته، ويحرص على أن تبقى الأصوات الناقدة أو الشخصيات المؤثرة بعيدة عن دائرة القرار.
ومع مرور الوقت تتشكل حوله بيئة تفتقر إلى الجرأة في إبداء الرأي أو تصويب الأخطاء، لأن همّ بعض أصحاب المواقع يصبح المحافظة على مناصبهم الحزبية لا المحافظة على قوة الحزب وحيويته.
وفي مثل هذه الأجواء يغيب النقد البنّاء، وتتراجع المراجعة الحقيقية للأداء، وتتحول الاجتماعات إلى مساحات للمجاملة بدلاً من أن تكون منصات للتخطيط والتقييم. وعندما يصبح الجميع متفقين ظاهرياً، لا لأنهم مقتنعون، بل لأنهم يخشون إغضاب القيادة، تبدأ علامات الضعف بالظهور مهما حاول البعض إخفاءها.
إن الأحزاب التي صنعت حضورها في التاريخ لم تحيط قياداتها بأشخاص محدودي التأثير، بل جمعت حولها أصحاب الفكر والخبرة والحضور الشعبي، ووفرت لهم مساحة للعمل والإبداع. فالحزب القوي يزداد قوة عندما تبرز فيه القيادات وتتنافس في خدمة المشروع السياسي، أما الحزب الضعيف فيخشى بروزها ويعتبرها خطراً عليه. ولذلك فإن الأحزاب التي تنجح في استقطاب الكفاءات وتمكينها هي الأحزاب الأقدر على النمو والتأثير وكسب ثقة المواطنين، بينما تبقى الأحزاب التي تحاصر أصحاب الخبرة والحضور الشعبي أسيرة دائرة ضيقة من المجاملات، بعيدة عن الشارع وغير قادرة على تحقيق التقدم المنشود.
ولعل المفارقة الأهم أن الأمين العام الذي يخشى الكفاءات من حوله ظناً منه أنه يحمي موقعه، يكون في الواقع أول من يضعف موقعه بنفسه. فالقيادة التي تُقصي أصحاب الخبرة والتأثير وتحارب الشخصيات القادرة على الإضافة لا تبني حولها عوامل القوة، بل تبني أسباب التراجع والعزلة. وعندما تواجه الأزمات أو الاستحقاقات الكبرى تكتشف أنها حرمت نفسها من أهم عناصر النجاح، فتجد أن الموقع الذي حاولت حمايته قد أصبح أكثر هشاشة مما كان عليه.
فالقيادة الضعيفة لا تنقلب عليها القيادات والأعضاء فحسب، بل تنقلب على نفسها قبل ذلك حين تفقد ثقة الكفاءات والخبرات وأصحاب التأثير الحقيقي. وعندها يجد من كان يخشى المنافسة أنه أصبح معزولاً داخل حزبه، بعدما أبعد عنه كل من كان قادراً على دعمه وتقوية مشروعه السياسي.
ولهذا فإن أي حزب يسعى إلى الحضور والتأثير الحقيقي لا بد أن يحيط أمينه العام نفسه بقيادات صلبة وقوية، تمتلك الخبرة السياسية والرؤية الاقتصادية والقدرة التنظيمية، وتفهم نبض الشارع وهموم المواطنين وتطلعاتهم. فالحزب لا يكسب ثقة الناس بالشعارات وحدها، وإنما بقيادات تعرف كيف تستمع للمواطن، وكيف تخاطبه بلغة واقعية، وكيف تقدم حلولاً قابلة للتطبيق لمشكلاته وتحدياته.
إن قوة الحزب لا تكمن في ضعف قياداته، بل في قوة فريقه القيادي. وكلما كانت الدائرة المحيطة بالأمين العام أكثر خبرة وكفاءة وتأثيراً، ازدادت فرص الحزب في النمو والانتشار وكسب ثقة المواطنين. أما عندما تتحول القيادة إلى دائرة مغلقة تخشى الرأي الآخر وتحاصر الكفاءات، فإنها لا تهزم خصومها، بل تضعف نفسها بنفسها.
فالقائد الواثق يصنع حوله رجال دولة وقيادات وطنية، أما القائد القلق فيصنع حوله فراغاً سياسياً. وبين بناء القيادات وصناعة الفراغ يتحدد مصير الأحزاب ومستقبلها في الحياة السياسية.
فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد التابعين الصامتين، بل بعدد القادة الأقوياء الذين يلتفون حول المشروع ويؤمنون به ويساهمون في نجاحه. ومن يملك الشجاعة لاحتضان الكفاءات يكتب لحزبه فرصة النمو والاستمرار، أما من يخشاها فإنه يكتب بيده حدود حزبه ومستقبل تأثيره.
وبين هذين النموذجين يتحدد مستقبل الحزب ومكانته بين الناس، وقدرته على النمو والاستقطاب والتأثير، لأن الأحزاب الكبيرة لا يصنعها أمناء عامون يخشون الأقوياء، بل يصنعها قادة واثقون بأن قوة الحزب أكبر من أي موقع، وأن نجاح المؤسسة أهم من بقاء الأشخاص
