وسط انقاض الحرب التي خلفتها قوات الاحتلال في منطقة الشيخ عجلين جنوب غرب مدينة غزة، يواصل المزارعون الفلسطينيون معركة استعادة الحياة لاراضيهم التي تحولت الى سواتر ترابية وركام للمنازل. واظهر هؤلاء المزارعون اصرارا لافتا على استصلاح مساحات واسعة من الاراضي التي بقيت لاكثر من عامين تحت سيطرة جيش الاحتلال ابان اغلاق محور نتساريم، حيث تحولت المساحات الخضراء الى ساحات من الدمار والخراب. واكد المزارعون في حديثهم انهم يعملون بجهود ذاتية بحتة وبامكانيات شحيحة للغاية في محاولة لاستعادة جزء من رموزهم الزراعية التي طالما ميزت منطقتهم، مشيرين الى ان الانبات الحالي للاشجار مثل التين والعنب يبدو ضعيفا نظرا لطول فترة دفنها تحت الانقاض.

واضاف المزارعون انهم اضطروا للعمل على استصلاح نحو نصف الاشجار القديمة كخيار اجباري في ظل انعدام وجود اشتال جديدة، موضحين ان هذه الاراضي اصبحت تمثل شريان الحياة الوحيد للعائلات والنازحين في منطقة تفتقر تماما لادنى مقومات الحياة والاسواق والوظائف. وكشف المزارع ابو محمد عن حجم المعاناة المادية التي يواجهها، حيث وجد ارضه عبارة عن اكوام من الحديد والحجارة، واضطر لتكبد مبالغ طائلة وصلت الى 1500 شيكل لساعة عمل الجرافة الواحدة، مما دفعه للتضحية بمدخرات زوجته ومصوغاتها الذهبية لتمويل عملية الاستصلاح والتمسك بالصمود في وجه هذا الخراب الكبير.

تحديات تقنية ومادية تعيق عودة الزراعة

وبين المزارعون ان التحديات لا تتوقف عند ازالة الركام، بل تمتد لتشمل صعوبات تقنية قاسية تتعلق بتوفر المياه والري بعد ان جرف الاحتلال الابار الارتوازية بشكل كلي، حيث لم تنجح الجهود الذاتية الا في استصلاح 5% فقط من هذه الابار. وشدد المتضررون على ان الارتفاع الجنوني في اسعار المستلزمات الزراعية يفاقم الازمة، اذ قفزت اسعار المبيدات الحشرية الى عشرة اضعاف سعرها الاصلي لتصل الى 3 الاف شيكل للمبيد الواحد، فضلا عن الاعتماد على بذور يدوية غير هجينة لا توفر الانتاجية المطلوبة.

واشار المزارعون الى انهم يستخدمون ادوات بدائية مثل الطورية والكريك لازالة الركام عن الجذور المغمورة وقص الاغصان الميتة لتحفيزها على النمو من جديد، مؤكدين انهم يرفضون الاستسلام رغم قسوة الظروف. واوضحت تقارير منظمة الاغذية والزراعة التابعة للامم المتحدة ان المساحات المتاحة للزراعة في القطاع انخفضت الى اقل من 5% بعد الحرب، حيث اصبحت معظم الاراضي الزراعية مدمرة او يتعذر الوصول اليها.

انهيار القطاع الزراعي تحت وطأة التدمير

وكشفت بيانات المكتب الاعلامي الحكومي في غزة ان الاحتلال تعمد تدمير اكثر من 94% من الاراضي الزراعية البالغة مساحتها نحو 178 الف دونم، مما تسبب في انهيار حاد في الانتاج الزراعي من 405 الاف طن الى نحو 28 الف طن فقط. واكدت التقارير ان هذا التدمير الممنهج للبنية التحتية الزراعية جاء بعد سنوات طويلة من الحصار الذي حد من وصول المزارعين الى اراضيهم القريبة من السياج الفاصل، والتي كانت تعد السلة الغذائية الرئيسية للقطاع. واختتم المزارعون حديثهم بان ما يقومون به اليوم يمثل مقاومة حقيقية من اجل تأمين الحد الادنى من الغذاء ومواجهة شبح المجاعة الذي يهدد السكان في ظل استمرار العدوان.