بقلم المهندس سمير سليمان 

لم تعد العلاقة بين الزراعة والبيئة قضية محصورة في المؤتمرات والنقاشات الأكاديمية، بل أصبحت من أكثر الملفات ارتباطًا بحياة الناس واستقرار الدول. ومع تصاعد التغيرات المناخية وتزايد الضغوط على الموارد الطبيعية، باتت الزراعة والبيئة في مواجهة واحدة. فالزراعة تعتمد مباشرة على التربة والمياه والمناخ، وفي الوقت نفسه تؤثر في هذه الموارد إيجابًا أو سلبًا بحسب طبيعة الممارسات المتبعة. لذلك لم يعد ممكنًا فصل الأمن الغذائي عن حماية البيئة وإدارة الموارد الطبيعية.

وتقوم العملية الزراعية على عناصر أساسية تشمل المياه والتربة والمناخ والتنوع الحيوي. وأي خلل في هذه العناصر ينعكس مباشرة على الإنتاج الزراعي. فشح المياه، وتراجع خصوبة التربة، والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة، أصبحت تحديات حقيقية تواجه القطاع الزراعي، خاصة في دول محدودة الموارد مثل الأردن. كما أن تأثير هذه التحديات لا يقتصر على كمية الإنتاج، بل يمتد إلى نوعيته وكلفته واستقراره وقدرة المزارعين على الاستمرار.

وفي المقابل، ساهمت بعض الممارسات الزراعية غير الرشيدة خلال العقود الماضية في زيادة الضغوط البيئية. ويظهر ذلك من خلال الاستخدام المفرط للمياه، والتوسع في استخدام المبيدات والأسمدة الكيميائية، وإزالة الغطاء النباتي. وقد أدى ذلك إلى تدهور التربة وتراجع التنوع الحيوي واستنزاف الموارد الطبيعية. لذلك أصبح تحسين الممارسات الزراعية جزءًا أساسيًا من حماية البيئة، وليس مجرد إجراء فني داخل المزرعة.

ومن هنا برز مفهوم الزراعة المستدامة كخيار ضروري لتحقيق التوازن بين زيادة الإنتاج والحفاظ على الموارد الطبيعية. فالنجاح الزراعي اليوم لم يعد يقاس فقط بحجم الإنتاج، بل بقدرة القطاع على الاستمرار دون الإضرار بالبيئة أو المساس بحقوق الأجيال القادمة. وهذا يتطلب الانتقال من منطق الإنتاج السريع إلى الإدارة المستدامة للموارد والإنتاج معًا.

وفي الأردن، تبدو الحاجة لهذا التوازن أكثر أهمية بسبب محدودية المياه وارتفاع كلف الإنتاج وتأثر القطاع الزراعي بالتغيرات المناخية. لذلك أصبح التوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة والزراعة الذكية مناخيًا من الأولويات الضرورية. كما تبرز أهمية إعادة استخدام المياه غير التقليدية في الري، والحفاظ على المراعي والغابات، وتعزيز الإرشاد الزراعي ونشر الوعي البيئي بين المزارعين والمجتمع المحلي.

وفي هذا السياق، تزداد أهمية مفهوم الربط بين المياه والطاقة والغذاء والبيئة (WEFE Nexus)، والذي يقوم على إدارة هذه القطاعات بصورة تكاملية بدل التعامل معها بشكل منفصل. فالمياه تؤثر في الزراعة والطاقة، والطاقة تؤثر في كلف الإنتاج الزراعي، بينما ترتبط البيئة بجميع هذه القطاعات بصورة مباشرة. ويساعد هذا النهج على رفع كفاءة استخدام الموارد وتقليل الهدر وتحقيق قدر أكبر من الاستدامة والأمن الغذائي.

كما تلعب المراكز البحثية الزراعية والبيئية دورًا مهمًا في تطوير الدراسات المتعلقة بإدارة المياه وتحسين الأصناف الزراعية ورفع كفاءة الإنتاج والتكيف مع التغير المناخي. وتسهم هذه المراكز أيضًا في نقل المعرفة والتقنيات الحديثة إلى المزارعين، بما يساعد على تقليل الهدر وتحسين الاستدامة البيئية والإنتاجية. وتزداد قيمة هذا الدور عندما تتحول نتائج البحث العلمي إلى تطبيقات عملية داخل الحقول والمزارع.

وتبرز التعاونيات الزراعية كأحد أهم أدوات التنمية الريفية وحماية البيئة. فهي تساعد في تنظيم جهود المزارعين وتعزيز العمل الجماعي ونشر الممارسات الزراعية السليمة. كما تسهم في دعم صغار المزارعين وتمكينهم اقتصاديًا واجتماعيًا وتسويق المنتجات الزراعية المستدامة. وتستطيع التعاونيات تحويل الممارسات البيئية من جهود فردية محدودة إلى عمل جماعي منظم، خاصة في مجالات ترشيد استخدام المياه وإدارة المخلفات الزراعية وتحسين فرص التسويق.

كما يمكن للقطاع الزراعي أن يكون جزءًا من الحل البيئي، وليس مجرد قطاع متأثر بالمشكلات البيئية. ويتحقق ذلك من خلال زيادة الرقعة الخضراء، وتحسين إدارة التربة، وتقليل الانبعاثات، وإعادة تدوير المخلفات الزراعية، واستخدام الطاقة المتجددة في الأنشطة الزراعية. وعندما تُدار الزراعة بطريقة واعية، فإنها تسهم في حماية النظم البيئية وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية.

وفي ظل الأزمات والحروب والتغيرات الاقتصادية العالمية، تتعاظم أهمية الربط بين البيئة والزراعة باعتبارهما خط الدفاع الأول عن الأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي. فحماية الموارد الطبيعية لم تعد مسؤولية بيئية فقط، بل أصبحت جزءًا من الأمن الوطني والاقتصادي للدول.

ومن التجارب الأردنية المهمة في هذا المجال مدارس المزارعين الحقلية الذكية مناخيًا. وتعتمد هذه المدارس على تدريب المزارعين داخل الحقول نفسها بدل الاكتفاء بالإرشاد النظري. كما تساعد على نشر ممارسات زراعية أكثر قدرة على التكيف مع التغير المناخي، مثل تحسين كفاءة استخدام المياه وإدارة التربة وتقليل الهدر في المدخلات الزراعية. وتكمن أهمية هذه التجربة في ربط المعرفة العلمية بالخبرة العملية، وتحويل المزرعة إلى مساحة للتعلم والتجريب وتبادل الخبرات.

إن مستقبل الزراعة يرتبط بقدرتنا على حماية البيئة، كما أن حماية البيئة لن تتحقق دون قطاع زراعي واعٍ ومستدام. ولهذا فإن بناء شراكة حقيقية بين السياسات الزراعية والبيئية أصبح ضرورة لضمان غذاء آمن وموارد مستدامة ومستقبل أكثر توازنًا للأجيال القادمة. فالاستثمار في الزراعة المستدامة لم يعد خيارًا تنمويًا فقط، بل ضرورة لحماية الموارد وتعزيز الأمن الغذائي وقدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات المستقبلية.