بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
ما قيمة قرار يمنع المدين من السفر إذا كان السفر هو آخر بابٍ مفتوح أمامه للعمل وكسب الرزق وسداد ديونه؟
وما جدوى مطالبة الإنسان بالوفاء بالتزاماته المالية بينما تُغلق في وجهه السبل التي تمكنه من الوفاء بها؟
إن إعادة فرض قيود السفر على المدينين تثير تساؤلات مشروعة حول جدوى هذه الإجراءات، خصوصاً في ظل ظروف اقتصادية صعبة يعيشها آلاف الأردنيين الذين أنهكتهم البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الفرص، حتى بات كثير منهم يبحث عن لقمة العيش فلا يجدها.
فالمدين المتعثر ليس مجرماً، وليس بالضرورة متهرباً من السداد، بل إن معظم المدينين وقعوا تحت ضغط الحاجة ومتطلبات الحياة. اقترضوا ليؤمّنوا مسكناً لأسرهم، أو علاجاً لمريض، أو وسيلة نقل تعينهم على العمل، أو لمواجهة ظروف اقتصادية قاهرة تجاوزت قدرتهم على الاحتمال.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يستطيع المدين أن يسدد ديونه وهو بلا عمل؟ وكيف يستطيع الوفاء بالتزاماته إذا كانت أبواب الرزق موصدة في وجهه داخل الوطن وخارجه؟
إن منع المدين من السفر لا يخلق فرصة عمل، ولا يزيد دخله ديناراً واحداً، ولا يساعده على سداد ما عليه من التزامات، بل إنه يحاصره داخل أزمته ويمنعه من البحث عن حل لها.
فكم من شاب حصل على فرصة عمل خارج الأردن كانت كفيلة بإخراجه من دائرة العجز والديون، لكن القيود القانونية وقفت حاجزاً بينه وبين تلك الفرصة؟ وكم من رب أسرة كان قادراً على إعالة أبنائه وتسديد أقساطه لو أُتيح له العمل خارج البلاد؟
إذا كانت الغاية حماية حقوق الدائنين، فإن المنطق والعقل يقولان إن تمكين المدين من العمل والإنتاج هو الطريق الأقصر لتحصيل الحقوق، لا منعه من السعي وراء الرزق.
كان الأجدر أن يُسمح للمدين الذي يثبت حصوله على عقد عمل خارج المملكة بالسفر وفق ترتيبات قانونية تحفظ حقوق الجميع، كأن يلتزم بتحويل جزء من دخله شهرياً لسداد ديونه، بدلاً من إغلاق الأبواب في وجهه وتركه غارقاً في البطالة والتعثر.
إن الدولة مطالبة اليوم، قبل أي إجراء عقابي أو تقييدي، بأن توفر فرص العمل الكافية للمواطنين، وأن تفتح أمام الشباب أبواب الإنتاج والاعتماد على الذات. فالمواطن الذي يملك عملاً كريماً هو الأقدر على الوفاء بالتزاماته وسداد ديونه وحماية أسرته من الحاجة.
كما أن من حق الأردنيين أن يتساءلوا عن الفجوة الكبيرة بين رواتب بعض أصحاب المناصب والامتيازات وبين رواتب الموظفين والعاملين البسطاء. فلا يستقيم أن يحصل مسؤول واحد على امتيازات ورواتب تعادل عشرات أضعاف ما يتقاضاه الموظف العادي، في الوقت الذي يعجز فيه آلاف الشباب عن إيجاد فرصة عمل تحفظ لهم كرامتهم وتمنحهم أملاً بمستقبل أفضل.
إن الأموال التي تُنفق على الامتيازات والمكافآت والمنافع غير الضرورية قادرة، لو أُحسن توجيهها، على خلق فرص عمل حقيقية لآلاف الأردنيين، وعلى تحريك عجلة الاقتصاد بصورة أكثر نفعاً للمجتمع والدولة معاً.
الأردنيون لم يكونوا يوماً شعباً يتهرب من المسؤولية، بل كانوا وما زالوا مثالاً للصبر والتحمل والكرامة. وقد تحمل المواطن الأردني أعباءً اقتصادية ومعيشية تفوق ما يتحمله كثير من الشعوب، وظل واقفاً إلى جانب وطنه في مختلف الظروف والتحديات.
هذا الوطن يحتاج إلى دعم أبنائه لا إلى زيادة القيود عليهم، ويحتاج إلى فتح أبواب العمل لا إلى إغلاقها. فلا تجعلوا شباب الأردن أسرى للبطالة واليأس، ولا تدفعوا النشامى إلى الوقوف على أبواب الحاجة بعد أن كانوا عنواناً للعزة والكفاح والكرامة.
أما البنوك والمؤسسات المالية، فإن عليها أن تدرك أن المدين المتعثر ليس خصماً لها، بل إنسان أرهقته الظروف وأثقلت كاهله الالتزامات. وإن العدالة تقتضي البحث عن حلول واقعية وإنسانية تقوم على إعادة الجدولة والتخفيف والتسهيل، لا على مراكمة الأعباء التي تجعل الخروج من الأزمة أكثر صعوبة.
لقد أمضى كثير من المواطنين سنوات طويلة يسددون الأقساط والفوائد، حتى أصبحت الديون عبئاً مزمناً يرافق الإنسان لعقود من عمره. ولذلك فإن المطلوب اليوم مراجعة حقيقية للسياسات المالية والإقراضية بما يحقق التوازن بين حق الدائن وكرامة المدين.
وأضع هذا المقال أمام جلالة الملك، لأن هذه القضية تمس حياة آلاف الأسر الأردنية، ولأن المواطن يتطلع إلى عدالة توازن بين حقوق الدائن وكرامة المدين. فالمشكلة ليست في إلزام الناس بسداد ما عليهم من التزامات، بل في السياسات التي تمنع المدين من الوصول إلى فرصة العمل التي تمكنه من السداد.
فكيف يُطالب الإنسان بالوفاء بالتزاماته بينما تُغلق في وجهه أبواب الرزق؟ وكيف يستطيع المدين أن يسدد ديونه إذا مُنع من السفر للعمل ولم تُوفر له فرصة عمل كريمة داخل الوطن؟
إن حماية حقوق البنوك والمؤسسات المالية أمر مشروع، لكن حماية المواطن الأردني وتمكينه من العمل أمر لا يقل أهمية. فالمدين الذي يعمل وينتج هو الأقدر على السداد، أما المدين الذي تُفرض عليه القيود وتُغلق أمامه الفرص فلن يستفيد من وضعه لا الدائن ولا الاقتصاد ولا المجتمع.
أعطوا المواطن فرصة ليعمل، وسيثبت لكم أنه قادر على سداد دينه، وإعالة أسرته، وخدمة وطنه.
أما التضييق عليه ومنعه من البحث عن رزقه فلن يصنع حلاً، ولن يحقق عدالة، ولن يرد مالاً إلى أصحابه.
افتحوا أبواب العمل قبل أبواب العقوبات.
دعوا المدين يعمل… فالإنتاج يسدد الديون، أما القيود فلا تسدد شيئاً.
فالأوطان تُبنى بسواعد أبناءها لا بتفيدهم ومنعهم من البحث عن رزقهم
