بقلم : رشا محمد الخوالده
هناك قادة يصنعون الأحداث، وهناك قادة يصنعون الطمأنينة. أما القادة الذين ينجحون في صناعة الاثنين معاً، فهم الذين يتركون بصمتهم في ذاكرة الشعوب لعقود طويلة.
وعلى امتداد سبعة وعشرين عاماً من تولي جلالة الملك عبد الله الثاني سلطاته الدستورية، لم يكن حضوره في حياة الأردنيين مرتبطاً بالمناسبات الرسمية أو الخطابات السياسية فحسب، بل ارتبط بذلك الشعور العميق بالأمان الذي رافق الوطن جيلاً بعد جيل، وبالثقة التي ترسخت في وجدان الأردنيين بأن لهذا الوطن قيادة تعرف طريقها جيداً، وتدرك أن الإنسان هو أساس الدولة وغايتها.
فالأردنيون حين يستذكرون هذه السنوات، لا يستحضرون فقط قرارات سياسية أو محطات تاريخية، بل يستحضرون مرحلة كاملة من عمر الوطن، تشكلت خلالها علاقة استثنائية بين القيادة والشعب، علاقة لم تبنها الكلمات ولا الشعارات، بل صنعتها المواقف، ورسختها الأيام، وأثبتتها التحديات التي واجهها الأردن وهو أكثر إيماناً بنفسه وقدرته على المضي قدماً.
سبعة وعشرون عاماً كانت كافية لأن يتحول الملك عبد الله الثاني في وجدان الأردنيين من قائد يقود الدولة إلى رمز لمسيرتها الحديثة، ومن ملك يعتلي العرش إلى قائد حاضر في تفاصيل الوطن اليومية، يحمل هموم شعبه كما يحمل تطلعاته.
وخلال هذه السنوات، لم يقتصر دوره على إدارة التحديات، بل قاد مشروعاً وطنياً متواصلاً عنوانه بناء الدولة وتعزيز مكانتها وترسيخ استقرارها، في وقت كانت فيه المنطقة تواجه تحولات عميقة وأزمات متلاحقة فرضت على الجميع إعادة حساباتهم وقراءة مستقبلهم من جديد.
ورغم ما شهدته المنطقة من اضطرابات سياسية وأمنية واقتصادية، بقي الأردن نموذجاً للدولة التي تعرف كيف تحافظ على توازنها، وكيف تصون مؤسساتها، وكيف تبقي مصلحة شعبها فوق كل اعتبار.
ولم يكن ذلك نتاج الصدفة، بل ثمرة رؤية قيادية آمنت بأن قوة الدولة لا تقاس بحجم مواردها فقط، بل بقدرتها على بناء الإنسان وترسيخ الثقة وتعزيز الانتماء الوطني.
لكن ما يميز مسيرة جلالة الملك عبد الله الثاني لا يتوقف عند حدود الإنجازات السياسية أو الاقتصادية، بل يتجلى أيضاً في ذلك القرب الإنساني الذي لطالما ميز علاقته بالأردنيين.
فخلال سبعة وعشرين عاماً، ظل جلالته حاضراً بين أبناء شعبه، قريباً من تفاصيل حياتهم، يتابع قضاياهم، ويصغي إلى تطلعاتهم، ويؤكد في كل مناسبة أن المواطن الأردني هو الشريك الحقيقي في مسيرة البناء والإنجاز.
ولعل الرسائل التي وجهها جلالته إلى الأردنيين بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين جاءت تجسيداً واضحاً لهذه العلاقة الخاصة؛ لم تكن مجرد رسائل تهنئة بمناسبة وطنية عزيزة، بل حملت بين سطورها مشاعر الفخر والمحبة والاعتزاز بشعب أثبت عبر العقود أنه شريك في الإنجاز وحارس للمنجز الوطني فكانت كلمات صادقة خرجت من قلب قائد يعرف شعبه جيداً، ويؤمن بقدراته، ويرى في كل أردني قصة نجاح تستحق التقدير.
ولهذا شعرنا كالأردنيون أن تلك الرسائل كانت أقرب إلى حديث أب لأبنائه منها إلى خطاب رسمي، لأنها عكست جوهر العلاقة التي تربط الملك بشعبه؛ علاقة تقوم على الثقة والاحترام المتبادل والانتماء المشترك لهذا الوطن. وهي العلاقة التي شكلت على الدوام أحد أهم عناصر قوة الأردن ومصدر تماسكه وقدرته على مواجهة التحديات.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد الجلوس الملكي، لا نحتفي بمرور السنوات بقدر ما نحتفي بقصة وطن آمن بقيادته، وقيادة آمنت بشعبها؛ نحتفي بمسيرة رسخت الاستقرار، وعززت مكانة الأردن، وأبقت الإنسان الأردني في صدارة الأولويات. ويحتفون قبل ذلك كله بملك استطاع أن يبقى قريباً من الناس مهما كبرت المسؤوليات، وأن يحافظ على تلك المسافة القصيرة بين القائد وشعبه، وهي المسافة التي لا تختصرها البروتوكولات، بل تصنعها المحبة والثقة والوفاء المتبادل.
سبعة وعشرون عاماً مضت، لكنها في ذاكرة الأردنيين ليست مجرد سنوات حكم، بل سنوات من العمل والبناء والإنجاز، وسنوات من العلاقة الصادقة بين قيادة وشعب، ستبقى واحدة من أهم ركائز قوة الأردن وهو يواصل مسيرته بثقة نحو المستقبل.
