ليس من قبيل المصادفة أن يلتقي يوم الجيش مع ذكرى الثورة العربية الكبرى، وأن تتزامن مع الذكرى الثالثة والثلاثين لعقد قران جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله.

فالتاريخ أحيانًا يرتب رسائله بعناية ويضع أمام الشعوب مرايا متعددة لترى نفسها كما هي لا كما تريد أن تبدو.

في هذه المناسبة لا يحتفل الأردن بذكريات عابرة بل يقرأ فصول قصة دولة ما زالت تقف في منطقة تتغير خرائطها كل يوم فيما بقيت هي محافظة على توازنها واستقرارها رغم كل ما مر حولها من عواصف وزلازل سياسية واقتصادية وأمنية.

يوم الجيش ليس مناسبة عسكرية فقط بل مناسبة وطنية تذكر الجميع أن الدولة التي لا تمتلك مؤسسات قوية تصبح مجرد أرض مفتوحة لكل الاحتمالات. فالجيش العربي لم يكن يومًا حارس حدود فحسب بل كان حارس فكرة فكرةالدولةالأردنية نفسها. تلك الدولة التي بقيت واقفة حين سقطت أنظمة وتماسكت حين انهارت مجتمعات وحافظت على وحدتها حين مزقت الانقسامات أوطانًا بأكملها.

وفي ذكرى الثورة العربية الكبرى لا يجوز أن نتوقف عند الصور والأعلام والخطب فقط بل علينا أن نتوقف أمام السؤال الأصعب هل ما زلنا أوفياء للقيم التي انطلقت من أجلها الثورة؟

لقد قامت الثورة من أجل الكرامة والعدالة والحرية وبناء الإنسان. وهذه المعركة لم تنتهِ بعد بل ربما أصبحت أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فالأردني الذي يحب وطنه لا يكتفي بالتصفيق له بل يقلق عليه أيضًا.

يقلقه أن يرى شابًا يفقد الأمل بفرصة عمل.

ويقلقه أن يشعر مواطن بأن صوته لا يصل.

ويقلقه أن تتسلل اللامبالاة إلى بعض النفوس حتى تصبح أخطر من أي أزمة اقتصادية.

فالخطر الحقيقي على الدول لا يبدأ من الحدود بل يبدأ حين تتآكل الثقة بين المواطن ومؤسساته، وحين يشعر الناس أن أحلامهم أكبر من فرصهم.

ومن هنا تأتي أهمية الرسالة الهاشمية التي حملها الأردن منذ تأسيسه؛ رسالة تقوم على أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملكه من سلاح بل بما تملكه من عدالة وكفاءة وقدرة على صون كرامة الإنسان.

وفي الذكرى الثالثة والثلاثين لزواج جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا العبدالله لا نتحدث عن مناسبة شخصية بل عن صورة استقرار رافقت الأردنيين على مدى عقود، في مرحلة شهدت تحولات إقليمية هائلة وأحداثًا كبرى غيرت وجه المنطقة.

ثلاثة وثلاثون عامًا مرت، تغيرت خلالها حكومات وأجيال وأولويات لكن بقيت الدولة متمسكة بثوابتها وبقي الأردن يقدم نموذجًا مختلفًا في الاعتدال والاتزان والقدرة على العبور وسط الحقول المليئة بالألغام السياسية.

اليوم، وبين راية الجيش وإرث الثورة ومسيرة القيادة، يقف الأردنيون أمام مسؤولية مشتركة.

فالوطن لا يحميه الجيش وحده.

ولا تبنيه الحكومة وحدها.

ولا يصونه الملك وحده.

الوطن مشروع جماعي يبدأ من ضمير المواطن وينتهي عند أعلى مؤسسة في الدولة.

ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن نقدمه لهذه المناسبات ليس الكلمات بل الصدق.

أن نعترف بما أنجزناه.

وأن نعترف أيضًا بما يحتاج إلى إصلاح.

أن نفتخر بالأردن.وأن نعمل ليكون أفضل.

فالأوطان العظيمة لا تخشى مواجهة الحقيقة، بل تخشى تجاهلها.

وفي هذا اليوم، يبقى الأردن أكبر من الأزمات، وأقوى من الشائعات، وأعمق من كل محاولات التشكيك، لأنه وطن تأسس على فكرة، وحُمي بتضحيات، وقادته إرادة لم تعرف يومًا طريق التراجع.

هنا الأردن.

حكاية جيشٍ حمل الشرف.وثورةٍ حملت الحلم.وقيادةٍ حملت المسؤولية.

وشعبٍ ما زال يؤمن أن هذا الوطن يستحق أن نقاتل من أجله بالعمل ونحميه بالوعي، ونرفعه بالإخلاص.

وكلما مرّت الذكريات بقي السؤال نفسه يتردد في ضمير الأردنيين

هل نحب الأردن بما يكفي لنبني مستقبله كما بناه الآباء والأجداد؟

ذلك هو السؤال الذي تستحقه هذه المناسبة... وذلك هو التحدي الحقيقي الذي ينتظر الجميع.