بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد

مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع

إن خسارة الأردن أمام النمسا بنتيجة 3–1 في كأس العالم لكرة القدم لا ينبغي أن تُقرأ كلحظة إحباط، بل كلحظة تقدم وطني. فللمرة الأولى، وقف الأردن على أكبر مسرح كروي في العالم، ليس بصفته متفرجاً، ولا باحثاً عن فرصة من بعيد، بل بصفته منتخباً مؤهلاً إلى كأس العالم.

وهذا بحد ذاته إنجاز كبير.

علينا أن نتذكر أن كأس العالم ليست بطولة عادية. فكل منتخب يصل إليها يكون قد اجتاز طريقاً طويلاً وصعباً. وكل منتخب متأهل يمثل الأفضل في منطقته، وقارته، ومنظومته الكروية. ولذلك، عندما يلعب الأردن أمام النمسا أو الجزائر أو الأرجنتين، فهو لا يلعب أمام خصوم عاديين، بل أمام الأفضل من بين الأفضل.

في مثل هذه المنافسات، فإن خسارة مباراة أمر طبيعي. الأهم هو كيف يخسر المنتخب، وكيف ينافس، وكيف يتعلم، وكيف يمثل بلده. أمام النمسا، لم ينهَر الأردن. لقد قاتل، وسجل، وصنع فرصاً، وأثبت أن له الحق في أن يكون حاضراً بين أمم كرة القدم في العالم.

النمسا منتخب أوروبي متمرس، يضم لاعبين ينافسون على مستويات عالية في كرة القدم الدولية. أما الأردن، فهو يدخل مرحلة جديدة في رحلته الكروية. والفارق في الخبرة والعمق والاحتكاك الدولي موجود وحقيقي. ومع ذلك، أظهر الأردن شجاعة وكرامة. لم يلعب المنتخب بخوف، بل لعب بطموح.

إن الهدف الذي سجله علي علوان لم يكن مجرد هدف في مباراة كرة قدم. لقد كان لحظة وطنية. كان إعلاناً أردنياً بأن المشاركة في كأس العالم ليست نهاية الحلم، بل بداية معيار جديد. فمن الآن فصاعداً، يجب أن تفكر كرة القدم الأردنية بطريقة مختلفة. لم يعد التأهل يُنظر إليه كمعجزة، بل كهدف يمكن تكراره وتطويره.

ويجب أن نتذكر أيضاً حقيقة مهمة: تاريخ كرة القدم مليء بمنتخبات كبرى فشلت في التأهل. فإيطاليا، وهي واحدة من أعظم أمم كرة القدم في التاريخ، وبلد يتقدم على الأردن كثيراً في التصنيف والتقاليد الكروية، لم تتأهل إلى كأس العالم. وهذا يذكرنا بأن الوصول إلى كأس العالم ليس مضموناً حتى للقوى الكروية الشهيرة. لذلك، فإن وجود الأردن في هذا المحفل هو بحد ذاته دليل على تطور حقيقي.

بالنسبة للأردن، فإن كأس العالم هو الانتقال إلى المستوى التالي. إنه مدرسة في الضغط، والسرعة، والانضباط، والنضج التكتيكي، والقوة الذهنية. اللاعبون سيتعلمون من كل دقيقة. والجهاز الفني سيتعلم. والاتحاد سيتعلم. والجمهور أيضاً سيتعلم كيف يقيّم الأداء بنضج، لا من خلال النتيجة النهائية فقط.

إن درس مباراة النمسا واضح: الأردن قادر على المنافسة، ولكن في هذا المستوى فإن التفاصيل الصغيرة تحسم المباريات. ركلة ركنية، خطأ دفاعي، ركلة جزاء متأخرة، أو فرصة ضائعة، كلها قد تغيّر النتيجة. وهذا ما يجعل كأس العالم مختلفاً. فهو لا يغفر الأخطاء الصغيرة، لكنه يكافئ أيضاً المنتخبات التي تواصل التطور.

لذلك، فإن رد الفعل الصحيح ليس النقد من أجل النقد. رد الفعل الصحيح هو التشجيع المصحوب بالتحليل. علينا أن ندعم اللاعبين، ونحترم جهدهم، وفي الوقت نفسه نطالب باستمرار التطوير في اللياقة، والانضباط التكتيكي، وتنمية المواهب الشابة، وزيادة الاحتكاك الاحترافي، وتحسين إدارة المباريات.

لقد تجاوزت كرة القدم الأردنية خطاً مهماً. في السابق، كان الحلم هو الوصول إلى كأس العالم. أما الآن، فالتحدي هو الأداء، والمنافسة، والتحول تدريجياً إلى حضور منتظم في هذا المستوى.

مباراة النمسا لم تكن نهاية القصة. لقد كانت الفصل الأول.

خسر الأردن المباراة، لكنه كسب الخبرة، والثقة، والاحترام، وأفقاً وطنياً جديداً لكرة القدم. ففي كرة القدم، كما في مسيرة التنمية الوطنية، لا يُقاس التقدم دائماً بالانتصار الفوري. أحياناً يُقاس التقدم بالوصول إلى مستوى لم يقف فيه الوطن من قبل.

والأردن وصل الآن إلى هذا المستوى.

والمهمة هي أن نبني عليه.