بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في العمل العام، ولا سيما داخل المؤسسات السياسية والاجتماعية، لا تُقاس قيمة الأفراد بقدرتهم على إثارة الجدل أو صناعة الضجيج، بل بما يقدّمونه من استقرار وما يرسخونه من ثقة بين الناس. فالمؤسسات الناجحة تقوم على التفاهم والتكامل، بينما تبدأ مظاهر الضعف بالظهور عندما تتحول الخلافات الطبيعية إلى حالة مستمرة من الشك والتشكيك وسوء التأويل.
ومن أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة وجود أشخاص يرفعون شعارات الإصلاح والحرص على المصلحة العامة، في حين تؤدي ممارساتهم، بقصد أو من دون قصد، إلى إضعاف الثقة واستنزاف الطاقات. فليس كل من يتحدث عن الوحدة يسهم في تعزيزها، وليس كل من يعلن حرصه على المؤسسة يعمل فعلاً لما يخدم مصالحها الحقيقية.
إن بعض الأفراد يظنون أن النفوذ يُبنى عبر إدارة الخلافات لا معالجتها، وعبر التنقل بين الأطراف بخطابات متباينة ومواقف متغيرة، معتقدين أن ذلك يمنحهم حضوراً دائماً أو مكانة متقدمة. غير أن التجارب أثبتت أن النفوذ القائم على المواقف الرمادية أو المجاملات المفرطة يظل هشاً مهما بدا قوياً في لحظته.
فالمؤسسات لا تُنهكها الأخطاء الفردية بقدر ما تُنهكها ثقافة نقل الكلام وتأويل المواقف وإعادة إنتاج الخلافات بصورة متكررة. وعندما تصبح الفتنة وسيلة للتأثير، وتتحول الإشاعة إلى أداة للحضور، فإن الجميع يدفع الثمن، مهما كانت مواقعهم أو الجهات التي تقف خلف تلك الممارسات.
وقد تنجح أساليب المراوغة لبعض الوقت، وقد يعتقد أصحابها أنهم أحكموا مواقعهم داخل المؤسسة، إلا أن الحقيقة تبقى حاضرة مهما تأخرت. وعندما تتكشف الوقائع وتتضح الصورة، يصبح من السهل التمييز بين من جمع الصفوف ومن بددها، وبين من عمل للمؤسسة ومن سعى إلى توظيفها لخدمة مصالحه الخاصة.
وحين تصل الأمور إلى هذه المرحلة، لا تكون الخسارة في فقدان موقع أو منصب فحسب، بل في خسارة الرصيد الأهم: ثقة الناس واحترامهم. فالمناصب تتغير، والمواقع تتبدل، أما السمعة التي تُبنى عبر سنوات فقد تتآكل سريعاً عندما يكتشف الناس أن ما بدا حرصاً لم يكن سوى سعي وراء مناصب مؤقتة.
إن العمل المؤسسي الرشيد يحتاج إلى صناع الحلول لا صناع الأزمات، وإلى من يضيقون مساحات الخلاف بالحكمة والحوار، لا إلى من يوسعونها. فالتاريخ الإداري والسياسي لم ينصف أصحاب الدسائس، لكنه حفظ مكانة الذين قدّموا المصلحة العامة وحافظوا على وحدة الصف.
ويبقى الثابت أن المؤسسة القوية لا يحميها أصحاب الأصوات المرتفعة، بل أصحاب الضمائر الحية والرؤية الصادقة. أما الذين يجعلون من الانقسام وسيلة ومن الخلاف سلماً للصعود، فقد يحققون مكاسب عابرة، لكنهم في نهاية المطاف يخسرون المعركة الأهم: معركة الاحترام والثقة والبقاء في ذاكرة الناس بصورة مشرّفة
