تشير البيانات الاقتصادية الاخيرة في مصر الى مفارقة لافتة تتمثل في استمرار ارتفاع معدلات الدين الخارجي رغم التأكيدات الرسمية المتكررة على الوفاء بكافة الالتزامات الدولية في مواعيدها المحددة. وتكشف الارقام الصادرة عن البنك المركزي ان حجم الدين الخارجي شهد تقلبات مستمرة خلال الفترات الماضية ليصل الى مستويات تتجاوز 163 مليار دولار وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى عمليات السداد في ظل الاعتماد المتجدد على القروض الخارجية.

واضاف خبراء اقتصاديون ان الالتزام بسداد الاقساط والفوائد لا ينعكس بشكل مباشر على خفض اجمالي الدين نظرا لان الدولة تلجأ الى اقتراض مبالغ جديدة من مؤسسات تمويل دولية وبنوك تنمية اقليمية لتغطية الفجوة التمويلية. واكدوا ان التركيز الاعلامي على قروض صندوق النقد الدولي يغفل حقيقة ان هناك سلة متنوعة من القروض طويلة الاجل التي تحصل عليها الحكومة من جهات مختلفة لدعم الموازنة العامة.

وبين المحللون ان المشروعات القومية الكبرى التي تنفذها الدولة تتطلب تدفقات مالية ضخمة لا تتوفر عوائدها بشكل فوري مما يضطر الحكومة للاستمرار في مسار الاقتراض. وشددوا على ان خدمة الدين باتت تستنزف نسبة كبيرة من ايرادات الدولة مما يضع صانع القرار امام تحدي الموازنة بين التنمية والحفاظ على استدامة المؤشرات المالية.

عوامل تقنية تزيد من حجم المديونية

واوضح مختصون في الشأن المصرفي ان هناك اسبابا فنية غير مباشرة تساهم في تضخم ارقام الدين الخارجي ومن ابرزها تغير اسعار صرف العملات العالمية مقابل الدولار. واشاروا الى ان جزءا كبيرا من محفظة الديون المصرية مقوم بعملات مثل اليورو الذي شهد ارتفاعا ملحوظا امام الدولار وهو ما يؤدي تلقائيا الى زيادة قيمة الدين المقوم بالعملة الامريكية دون الحاجة لاقتراض مبالغ جديدة.

واكد تقرير اقتصادي ان سياسة تدوير الديون اصبحت نهجا متبعا عند استحقاق السندات الدولية حيث تقوم الدولة بطرح ادوات دين جديدة لسداد المستحقات القديمة. واضافت التحليلات ان القطاع الخاص ايضا يساهم في زيادة الضغط عبر التوسع في الاقتراض الخارجي للحصول على تمويلات ميسرة تساعده على تجاوز القيود النقدية المحلية.

واشار مسؤولون حكوميون الى ان الاحتياطيات الدولية لدى البنك المركزي توفر غطاء امانا كافيا لتغطية الالتزامات قصيرة الاجل. وموضحين ان الدولة لا تزال قادرة على ادارة ملف السيولة النقدية بكفاءة رغم الضغوط العالمية التي تؤثر على اقتصاديات الاسواق الناشئة بشكل عام.

رؤى مستقبلية لضبط بوصلة الدين

وكشف خبراء عن مقترحات عملية للخروج من دائرة الاقتراض المفرط ابرزها وضع سقف ملزم للدين العام لا يمكن تجاوزه تحت اي ظرف. واضافوا ان اعادة ترتيب اولويات المشروعات الوطنية واطالة امد التنفيذ قد يقلل من حدة الضغوط التمويلية على المدى القريب.

وشددت بعض الاراء على ضرورة تحويل جزء من القروض القائمة الى استثمارات مباشرة لجذب العملة الصعبة بدلا من الاعتماد الكلي على الاقتراض المباشر. واكدوا ان زيادة موارد النقد الاجنبي عبر تعزيز الصادرات وتشجيع الاستثمار هي السبيل الوحيد لتقليل رصيد الدين الخارجي بشكل مستدام.

واختتمت الحكومة موقفها بالتأكيد على ان الاقتراض الموجه للمشروعات التنموية يهدف الى خلق عوائد مستقبلية تساهم في نمو الاقتصاد. ومبينة ان الهدف ليس الاستهلاك بل بناء قاعدة انتاجية قوية قادرة على سداد الالتزامات وتحقيق فوائض مالية تدعم ميزانية الدولة في السنوات القادمة.