بقلم المهندس نبيل إبراهيم حداد
أظهر المنتخب الأردني في مباراته أمام النمسا صورة مشرّفة من حيث الروح، والشجاعة، والقدرة على مجاراة فريق أوروبي صاحب خبرة طويلة. ورغم الخسارة، فإن المباراة لا يجب أن تُقرأ من زاوية النتيجة فقط، بل من زاوية ما كشفته عن قدرات المنتخب الأردني، ونقاط قوته، وجوانب الضعف التي تحتاج إلى معالجة سريعة قبل المباريات القادمة.
في المقال السابق، كانت القراءة العامة لأداء المنتخب الأردني أمام النمسا تقوم على أن الفريق لعب بشجاعة وكرامة، ولم ينهَار رغم قوة وخبرة المنتخب النمساوي. فقد دخل المنتخب الأردني المباراة بروح عالية، وواجه الخصم بثقة، ونجح في العودة إلى المباراة بعد التأخر، وسجل هدفاً تاريخياً يعكس شخصية الفريق وقدرته على المنافسة.
أما هذا المقال، فهو لا يهدف إلى التقليل من تلك الصورة المشرفة، بل إلى الانتقال من الانطباع العاطفي إلى القراءة الاستراتيجية. فالشجاعة والكرامة وعدم الانهيار هي عناصر قوة يجب تقديرها، لكنها لا تكفي وحدها في مباريات كأس العالم. لذلك تأتي هذه القراءة لتحليل الأداء بمنهج SWOT، بهدف تحديد نقاط القوة، ونقاط الضعف، والفرص، والتهديدات، حتى نستطيع تحويل الأداء المشرف إلى أداء أكثر نضجاً وفاعلية في المباريات القادمة.
النمسا فريق يملك خبرة طويلة في كرة القدم الأوروبية، ولا يجوز أن تكون المقارنة معه قائمة فقط على النتيجة. الأهم بالنسبة لنا هو أن نسأل: ماذا تعلّم الأردن من هذه المباراة؟ وما الذي يجب أن يبني عليه؟ وما الذي يجب تصحيحه؟
أولاً: نقاط القوة
أول ما يُحسب للمنتخب الأردني أنه لم يدخل المباراة خائفاً. فقد لعب بشخصية واضحة، وحاول الهجوم، ولم يكتفِ بالدفاع أو انتظار نهاية المباراة بأقل الأضرار. وهذا بحد ذاته مؤشر مهم في أول مشاركة على هذا المستوى العالمي.
كما أن ردة فعل المنتخب بعد التأخر كانت إيجابية. لم ينهَار الفريق بعد استقبال الهدف، بل عاد إلى المباراة وسجل هدف التعادل، وهو هدف يحمل قيمة تاريخية ومعنوية كبيرة، لأنه أثبت أن الأردن قادر على التسجيل والمنافسة في كأس العالم.
كذلك أظهر المنتخب قدرة جيدة على التحول السريع من الدفاع إلى الهجوم. وهذه نقطة قوة يجب البناء عليها، لأن الأردن قد لا يملك دائماً الاستحواذ الأعلى، لكنه يستطيع أن يكون خطيراً إذا أحسن استغلال المساحات والانتقال السريع نحو مرمى الخصم.
ومن نقاط القوة أيضاً أن المنتخب حافظ على كرامته الكروية داخل الملعب. لم يظهر مستسلماً، ولم يتعامل مع المباراة كأنها محسومة مسبقاً، بل حاول أن يفرض حضوره ضمن إمكاناته المتاحة. وهذه الروح يجب أن تبقى جزءاً من شخصية المنتخب، ولكن مع تطويرها تكتيكياً وفنياً.
ثانياً: نقاط الضعف
رغم الأداء الشجاع، كشفت المباراة عن نقاط ضعف واضحة، أهمها الدفاع في الكرات الثابتة، وخاصة الكرات الركنية. الهدف الثاني الذي جاء من كرة ركنية وهدف عكسي لا يجب اعتباره مجرد سوء حظ، بل يجب التعامل معه كتنبيه فني مهم. فالكرة الثابتة في كرة القدم الحديثة أصبحت سلاحاً حاسماً، والمنتخبات الكبيرة تعاقب أي خطأ في التمركز أو الرقابة أو التعامل مع الكرة الأولى والثانية.
كما ظهر أن المنتخب بحاجة إلى إدارة أفضل للدقائق الأخيرة. فمع التعب والضغط، تصبح القرارات الدفاعية داخل منطقة الجزاء أكثر حساسية. أي حركة يد غير محسوبة، أو تدخل متأخر، أو فقدان تركيز، يمكن أن يغير نتيجة المباراة.
وهناك ملاحظة فنية مهمة جداً: في بعض فترات المباراة بدا أن المنتخب الأردني كان يطارد الكرة أكثر مما كان يقرأ وجهة اللعب. والفرق بين الأمرين كبير. فالكرة مع اللاعب ليست هي الغاية، بل هي بداية الهجمة أو بداية الخطر. أما الغاية الحقيقية فهي: إلى أين ستذهب الكرة؟ من هو اللاعب الذي سيستلم التمريرة التالية؟ ما هي المساحة التي يجب إغلاقها؟ وأين يمكن أن تنشأ فرصة التسجيل أو الخطر؟
كرة القدم لا تُلعب فقط بملاحقة الكرة، بل بقراءة وجهتها. الفريق الذي يطارد الكرة يبقى غالباً متأخراً خطوة عن المنافس. أما الفريق الذي يقرأ وجهة اللعب، فإنه يسبق الحدث، ويغلق المساحات قبل أن تتحول إلى خطر، ويحوّل الدفاع من رد فعل إلى فعل منظم.
لذلك، يحتاج المنتخب الأردني إلى الانتقال من الدفاع القائم على متابعة حامل الكرة فقط، إلى الدفاع القائم على قراءة المساحة، والتمريرة التالية، والهدف النهائي للهجمة. فاللاعب لا يجب أن يسأل نفسه فقط: أين الكرة الآن؟ بل عليه أن يسأل أيضاً: أين ستذهب الكرة بعد لحظة؟ وما هو الخطر الذي يجب منعه قبل أن يحدث؟
وهنا يصبح الفرق واضحاً بين فريق يركض وراء الكرة وفريق يدير المباراة. الركض وراء الكرة يستهلك الجهد، ويفتح المساحات، ويجعل الفريق دائماً في حالة رد فعل. أما قراءة وجهة اللعب فتجعل الحركة أذكى، والضغط أكثر فاعلية، والدفاع أكثر تنظيماً.
ثالثاً: الفرص
رغم الخسارة، فإن المباراة منحت الأردن فرصة مهمة: فرصة البناء على الثقة. فالمنتخب أثبت أنه قادر على المنافسة، وأنه ليس بعيداً عن مستوى الفرق الأكثر خبرة إذا أحسن تنظيم التفاصيل.
مباراة الجزائر القادمة تمثل فرصة حقيقية للتعويض. ويجب أن يدخلها المنتخب الأردني بعقلية إيجابية، لا بعقلية الخوف من الخسارة. المطلوب هو الحفاظ على الشجاعة، مع رفع مستوى الانضباط التكتيكي، خصوصاً في الكرات الثابتة، والتحولات الدفاعية، وإدارة الدقائق الأخيرة.
كما أن المنتخب يستطيع أن يستثمر سرعته في الهجمات المرتدة. فإذا تم توجيه هذه السرعة نحو “الوجهة” الصحيحة، وليس فقط نحو الكرة، يمكن للأردن أن يكون أكثر خطورة وأكثر فاعلية.
وهنا تكمن الفرصة الكبرى: تحويل الروح العالية إلى نظام لعب. فالشجاعة مطلوبة، لكنها تحتاج إلى إطار تكتيكي واضح. والاندفاع مطلوب، لكنه يجب أن يكون موجهاً نحو هدف محدد. والسرعة مهمة، لكنها تصبح أكثر قيمة عندما تُستخدم في المساحة المناسبة وفي اللحظة المناسبة.
رابعاً: التهديدات
أكبر تهديد أمام الأردن هو تكرار نفس الأخطاء. فالمنافسون القادمون سيدرسون المباراة، وسيلاحظون أن الكرات الثابتة والضغط في منطقة الجزاء يمكن أن يسببا مشاكل للمنتخب الأردني. لذلك يجب أن يكون التصحيح سريعاً وواضحاً.
ومن التهديدات أيضاً الضغط النفسي قبل مباراة الجزائر. إذا دخل المنتخب المباراة وهو يفكر فقط في عدم الخسارة، فقد يفقد أهم ما ظهر أمام النمسا: الجرأة والشخصية. المطلوب ليس التهور، بل الشجاعة المنظمة.
كما أن الإرهاق في آخر عشرين دقيقة يبقى عاملاً مهماً. لا بد من إدارة الجهد، واستخدام التبديلات بذكاء، والمحافظة على شكل الفريق حتى نهاية المباراة.
وهناك تهديد آخر لا يقل أهمية، وهو أن يتحول الأداء المشرف إلى حالة رضا مبكر. يجب أن نفرح بالروح والكرامة والشجاعة، لكن يجب ألا نكتفي بها. فالمنافسة على هذا المستوى تحتاج إلى عقل بارد، وتحليل دقيق، وتصحيح سريع.
الخلاصة
أداء المنتخب الأردني أمام النمسا لا يجب أن يُختصر في الخسارة. لقد أظهر الفريق روحاً وشجاعة وقدرة على المنافسة. لكنه في الوقت نفسه تلقى درساً واضحاً: في كأس العالم، التفاصيل الصغيرة تصنع الفارق الكبير.
الخلاصة أن المنتخب الأردني لعب بشجاعة وكرامة، ولم ينهَر أمام فريق أكثر خبرة وتجربة. وهذا بحد ذاته أمر يُحسب للفريق. لكن القراءة الاستراتيجية تقول إن الشجاعة يجب أن تتطور إلى وعي تكتيكي، وأن الروح العالية يجب أن تُستكمل بتصحيح التفاصيل، وقراءة وجهة اللعب، وإدارة الدقائق الحاسمة بصورة أفضل.
القوة الأردنية ظهرت في الشجاعة، وسرعة التحول، والروح العالية. أما الضعف فظهر في الكرات الثابتة، وإدارة الدقائق الأخيرة، وملاحقة الكرة أحياناً بدلاً من قراءة وجهة اللعب.
الرسالة الأهم للمنتخب قبل المباراة القادمة هي:
حافظوا على الشجاعة، صححوا التفاصيل، والعبوا نحو وجهة اللعب لا نحو الكرة فقط.
فالكرة ليست النهاية. الكرة هي البداية. أما الفريق الناضج فهو الذي يعرف إلى أين يريد أن يأخذ المباراة.
