بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
منذ الساعات الأولى للحرب، ارتفعت أصوات كثيرة تتحدث بثقة عن سقوط إيران الوشيك، وانهيار مؤسساتها، وانتهاء دورها الإقليمي، وكأن الأمر مسألة وقت لا أكثر. لكن ما جرى على أرض الواقع أثبت أن كثيراً من التحليلات بُنيت على الأمنيات أكثر مما بُنيت على قراءة دقيقة لطبيعة الدولة الإيرانية وقدرتها على الصمود.
لقد تعرضت إيران خلال سنوات طويلة لحصار اقتصادي وضغوط سياسية وعقوبات دولية واستهداف أمني وعسكري متواصل، ومع ذلك لم تنهَر مؤسساتها، ولم تتفكك أجهزتها، ولم تدخل في حالة الفوضى التي راهن عليها خصومها. بل أظهرت قدرة لافتة على امتصاص الصدمات والتعامل مع المتغيرات والمحافظة على تماسك الدولة واستمرار عملها في أصعب الظروف.
إن قوة الدول لا تُقاس بما تتعرض له من ضربات، وإنما بقدرتها على النهوض بعد تلك الضربات. والتاريخ مليء بدول امتلكت المال والسلاح والدعم الدولي، لكنها انهارت عند أول اختبار حقيقي. أما الدول التي تبني مؤسساتها على أسس راسخة وتستثمر في الإنسان والعلم والتخطيط، فإنها تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات مهما بلغت شدتها.
لقد أثبتت إيران أنها دولة مؤسسات لا دولة أفراد، وأن لديها بنية تنظيمية قادرة على التعامل مع الأحداث الكبرى دون أن تفقد توازنها أو قدرتها على اتخاذ القرار. فبرغم ما تعرضت له من خسائر واستهداف واغتيالات، استمرت الدولة في أداء وظائفها، واستمرت مؤسساتها في العمل، واستمرت منظومتها في إدارة المواجهة دون ارتباك أو انهيار.
كما أثبتت التجربة أن الاعتماد على الذات ليس مجرد شعار سياسي، بل خيار استراتيجي ينعكس على قوة الدولة وقدرتها على الصمود. فسنوات الحصار الطويلة دفعت إيران إلى تطوير قدراتها العلمية والتقنية والعسكرية، وإلى بناء منظومات إنتاج محلية مكّنتها من الاستمرار رغم القيود والعقوبات والتحديات.
وفي خضم المواجهة، ظهر بوضوح أن الحسابات النظرية شيء، وما تفرضه الوقائع على الأرض شيء آخر. فالوعود الكبيرة والتهديدات الصاخبة لا تكفي وحدها لحسم المعارك أو كسر إرادة الشعوب. وقد أثبتت الأحداث أن إرادة الصمود قادرة على إرباك الحسابات وإعادة رسم المشهد بصورة تختلف عما توقعه كثيرون.
ولعل من أبرز ما أفرزته هذه المواجهة أن الرهان على الحسم السريع انهار بالكامل أمام صمود إيران وتماسكها. فبدلاً من مشهد الانهيار الذي جرى الترويج له، وجدت الأطراف المعادية نفسها أمام واقع ميداني وسياسي مختلف فرض إعادة الحسابات من جديد. وقد أدى استمرار إيران في المواجهة وثبات مؤسساتها وقدرتها على امتصاص الضربات إلى إرباك منظومة القرار لدى الولايات المتحدة، ودفعها عملياً إلى التراجع عن مسار التصعيد العسكري، والاتجاه نحو وقف الحرب وفتح قنوات ومسارات سياسية، بعد أن تبيّن أن استمرار المواجهة لم يعد قابلاً للحسم، وأن كلفته تجاوزت كل التقديرات السابقة.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المواجهة أن إيران لم تتعامل مع الحرب بوصفها معركة حدود أو مصالح عابرة، بل تعاملت معها باعتبارها معركة وجود وإرادة وكرامة وطنية. فحين سقط القادة والعسكريون والعلماء، لم تتوقف مؤسسات الدولة، ولم ترتفع أصوات الاستسلام، ولم تدخل البلاد في حالة الذعر التي توقعها خصومها. بل بدا المشهد وكأن كل شهيد يخلّف وراءه عشرات الرجال المستعدين لمواصلة الطريق، وكأن الدولة بأكملها قد أعدّت نفسها مسبقاً لمواجهة أصعب الاحتمالات.
إن الأمم العظيمة لا تُعرف في أوقات الرخاء، بل تُعرف عندما تُختبر تحت النار. وهناك شعوب إذا ضُربت تراجعت، وأخرى إذا تعرضت للضغوط ازدادت تماسكاً وصلابة. ومن وجهة نظر مؤيديها، أثبتت إيران أنها تنتمي إلى الصنف الثاني؛ دولة دفعت أثماناً باهظة، وقدمت التضحيات، لكنها تمسكت بخياراتها ورفضت أن تتخلى عن إرادتها أو تسمح للخوف بأن يحدد مستقبلها.
وقد يختلف البعض مع سياسات إيران أو توجهاتها أو تحالفاتها، وهذا أمر طبيعي في عالم السياسة، لكن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الدولة التي تتعرض لهذا الحجم من الضغوط ثم تواصل الوقوف بثبات هي دولة تمتلك عناصر قوة لا يمكن تجاهلها أو التقليل من شأنها.
إن التجربة الإيرانية، بغض النظر عن الموقف منها، تقدم درساً مهماً مفاده أن الدول القوية لا تُبنى في أيام أو شهور، بل تُبنى عبر سنوات طويلة من العمل والتخطيط والاستثمار في الإنسان والمؤسسات والقدرات الوطنية. كما تؤكد أن السيادة الحقيقية لا تتحقق بالشعارات، وإنما بالقدرة على حماية المصالح الوطنية وتعزيز عناصر القوة الذاتية.
لقد راهن كثيرون على سقوط إيران، لكن الذي سقط في نهاية المطاف كان تلك الرهانات نفسها. فالدولة التي توقع البعض انهيارها خلال أيام، أثبتت قدرتها على الصمود والاستمرار ومواصلة المواجهة. وبينما كان خصومها ينتظرون لحظة الانكسار، كانت هي ترسل رسالة مختلفة مفادها أن الأوطان التي تُبنى على الإرادة والعقيدة الوطنية والمؤسسات الراسخة قد تتألم، وقد تتعرض للخسائر، لكنها لا تنكسر.
وهكذا بقيت إيران واقفة في قلب العاصفة، لتؤكد أن الصمود ليس مجرد موقف عابر، بل قوة بحد ذاتها، وأن الإرادة الوطنية حين تقترن بالتخطيط والمؤسسات والإيمان بالقضية تصبح قادرة على مواجهة أقسى التحديات. لقد راهنوا على سقوط إيران، فسقطت رهاناتهم، وبقيت الدولة شاهدة على أن الأمم التي تعرف طريقها لا تُهزم بسهولة مهما اشتدت العواصف.
