بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في السياسة الدولية، لا تُدار المفاوضات الكبرى بلغة التهديد وحدها، فالدبلوماسية ليست ساحة استعراض للقوة بقدر ما هي فن إدارة المصالح وتوازنات النفوذ. ومن هنا، فإن التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي لوّح فيها بإمكانية العودة إلى التصعيد العسكري والضغط على إيران أثناء سير المفاوضات، تثير تساؤلات جدية حول مستقبل المسار التفاوضي وإمكانية الوصول إلى اتفاق مستدام.
المعلومات المتداولة من جولات التفاوض الأخيرة في سويسرا تشير إلى أن المباحثات حققت تقدماً أولياً، رغم التوترات السياسية والإعلامية التي رافقتها. كما أن الوسطاء الدوليين نجحوا في إبقاء قنوات الحوار مفتوحة، وتم الاتفاق على استكمال المفاوضات الفنية خلال الأسابيع المقبلة.
غير أن المشكلة الأساسية تكمن في التناقض بين لغة التفاوض ولغة التهديد. فحين يجلس المفاوضون على الطاولة بحثاً عن حلول وسط، ثم يسمعون في الوقت ذاته تصريحات تتوعد بالتصعيد أو العودة إلى القوة، فإن الثقة التي تُبنى بصعوبة قد تنهار في لحظات.
إيران، التي خرجت من سنوات طويلة من العقوبات والضغوط والمواجهات، لا تبدو مستعدة لتقديم تنازلات تحت وقع التهديد. بل إن التجربة أثبتت أن الضغوط القصوى كثيراً ما دفعت طهران إلى مزيد من التشدد بدلاً من التراجع. ولذلك فإن استمرار الخطاب التصعيدي الأمريكي قد يدفع دوائر القرار الإيرانية إلى إعادة النظر في جدوى الاستمرار في التفاوض من الأساس.
والأخطر من ذلك أن أي انهيار للمفاوضات لن يكون خسارة إيرانية فقط، بل قد يتحول إلى مأزق استراتيجي لواشنطن نفسها. فالولايات المتحدة تدرك أن المنطقة تقف فوق برميل من الأزمات المتراكمة، وأن فتح جبهة توتر جديدة سيحمل انعكاسات مباشرة على أسواق الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي. كما أن فشل المفاوضات سيعني عودة حالة الاستنزاف السياسي والاقتصادي التي لم تحقق أهدافها الكاملة خلال السنوات الماضية. 
لقد اعتادت الإدارات الأمريكية المتعاقبة استخدام العصا والجزرة في التعامل مع الخصوم، لكن التجارب الدولية أثبتت أن التهديد يفقد قيمته عندما يصبح بديلاً عن السياسة، وأن القوة الحقيقية لا تُقاس بحجم التصريحات النارية، بل بقدرة الدولة على تحويل نفوذها إلى نتائج سياسية قابلة للحياة.
إن استمرار ترامب في رفع سقف التهديدات قد يكون الشعرة التي تقصم ظهر المسار التفاوضي بأكمله. وإذا وصلت طهران إلى قناعة بأن واشنطن تتعامل مع المفاوضات كغطاء للضغط لا كطريق للحل، فإن احتمالات الانسحاب من أي تفاهمات مستقبلية ستزداد بصورة كبيرة، وعندها ستكون الولايات المتحدة أمام مشهد أكثر تعقيداً وأقل قدرة على التحكم بمساراته.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم أن السلام لا يُبنى بالخطب المتوعدة، ولا تُصنع الاتفاقات التاريخية عبر لغة الإملاءات. فإما أن تنتصر الدبلوماسية والعقلانية السياسية، وإما أن يعود الجميع إلى دائرة التصعيد التي أثبتت السنوات الماضية أنها مكلفة للجميع، دون استثناء
