أخشى أحيانًا أن أخطر ما تفعله الكلمات ليس ما تقوله، بل ما تجعلنا نعجز عن رؤيته.
فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون وحدهم، بل تكتبه أيضًا المفردات التي نجحت في البقاء. وما بين حدثٍ وقع وحديثٍ قيل عنه، مسافةٌ تكفي أحيانًا لتغيير مصير أمة كاملة.
ولطالما أدهشني أنّ الحدث الواحد قد يظل هو هو، بينما تتبدل صورته في الأذهان كلما تبدلت الكلمات التي تصفه. فالحرب نفسها قد تُسمّى تحريرًا أو عدوانًا، والقرار ذاته قد يُوصَف إصلاحًا أو تقييدًا، والشخص نفسه قد يكون في خطابٍ بطلًا، وفي خطابٍ آخر متهمًا.
ومن هنا بدأ سؤال يطاردني: هل نحن نختلف لأننا نرى الواقع بصورة مختلفة، أم لأننا نتكلم عنه بلغة مختلفة؟
يبدو هذا السؤال للوهلة الأولى سؤالًا لغويًا بسيطًا، لكنه في الحقيقة يمتد إلى عمق الفلسفة والسياسة والاجتماع والتاريخ؛ ذلك أن اللغة ليست مجرد وعاء تُحفَظ فيه الأفكار، بل هي الإطار الذي تتشكل داخله هذه الأفكار أصلًا.
لقد اعتاد الإنسان طويلًا أن ينظر إلى اللغة بوصفها مرآة تعكس الواقع، غير أن التحولات الكبرى في فلسفة اللغة خلال القرن العشرين زعزعت هذه المسلّمة. ومن أبرز من أسهموا في ذلك الفيلسوف اللغوي جون أوستن في كتابه الشهير "كيف ننجز الأشياء بالكلام"، حين بيّن أن بعض الأقوال لا تصف الأفعال فحسب، بل تنجزها أيضًا؛ فالقاضي لا يصف الحكم عندما ينطق به، بل يجعله نافذًا. والاتفاق لا يصف التزامًا قائمًا، بل ينشئه. وهكذا لا تصبح اللغة أداةً لنقل الواقع فحسب، بل أداةً للمشاركة في تشكيله.
غير أنّ المسألة لا تقف عند حدود الفعل اللغوي. فحين ننتقل إلى ميشيل فوكو نجد أن السؤال يتحول من: ماذا تفعل الكلمات؟ إلى: كيف تتحول بعض الأقوال إلى حقائق يُسلّم بها الناس؟
يرى فوكو أنّ الخطاب ليس مجرد كلام، بل نظامٌ ينتج المعرفة ويمنح بعض التصورات صفة الحقيقة. فالسلطة - في نظره - لا تعمل بالقوانين والمؤسسات وحدها، بل تعمل أيضًا عبر الخطابات التي تحدد ما يمكن قوله، وما يمكن التفكير فيه، وما يبدو طبيعيًا أو بديهيًا داخل المجتمع.
ذلك أنّ كل مجتمع ينتج أنماطًا معينة من الكلام تتكرر وتترسخ حتى تبدو حقائق في الإدراك المجتمعي، ومع الزمن لا تكتفي هذه الأنماط بوصف الواقع، بل تسهم في توجيه فهمه وتنظيم طرائق التفكير فيه.
ولعل هذا ما قصده فوكو بمفهوم «التشكيلات الخطابية»؛ تلك الشبكات من الأقوال والمفاهيم والممارسات التي تتضافر عبر مؤسسات مختلفة وحقول معرفية متعددة لتمنح موضوعًا ما معنى محددًا، وتجعله قابلًا للفهم ضمن إطار بعينه. وما إن يترسخ هذا الإطار حتى يصبح من الصعب رؤية البدائل الممكنة خارجه؛ لأنَّ اللغة تكون قد رسمت حدود ما يبدو معقولًا أو مشروعًا أو حتى قابلًا للتفكير.
وقد يفسر هذا كون كثيرٍ من الصراعات الكبرى في عصرنا لم تعد تدور حول الوقائع وحدها، بل حول تسميتها أيضًا. فبين «مقاومة» و«تمرّد»، وبين «شهيد» و«ضحية»، وبين «إصلاح» و«تقييد»، لا يتغير اللفظ وحده، بل تتغير معها الصورة التي يتشكل بها الحدث في الأذهان.
وقد كشفت جائحة كورونا مثالًا واضحًا على ذلك. فمصطلحات مثل «الحَظر» و«الحجر الصحي» و«المناعة المجتمعية» لم تكن ألفاظًا تقنية فحسب، بل تحولت إلى أدوات أسهمت في إعادة تشكيل السلوك الاجتماعي، وأثرت في إدراك الناس للواقع وموقعهم داخله؛ لقد كانت معركةً لغوية بقدر ما كانت معركةً صحية.
وعليه، إنّ أخطر أشكال النفوذ ليست تلك التي تمنع الناس من الكلام، بل تلك التي تجعلهم يتكلمون داخل إطار لغوي محدد دون أن يشعروا به. فحين ينجح خطابٌ ما في احتلال الكلمات، يصبح قادرًا على احتلال العقول بهدوء أكبر مما تفعله القوة المباشرة.
ولهذا فإنّ دراسة اللغة ليست ترفًا أكاديميًا يقتصر على النحْو والدلالة، بل مدخلًا لفَهم الإنسان والمجتمع والدولة. فالكلمات لا تسكن القواميس فحسب؛ إنها تسكن الوعي، وما يستقر في الوعي يتحول تدريجيًا إلى مواقف وقيم وقرارات وحقائق اجتماعية.
بعد كل هذا، لستُ على يقين بأنَّ أعظم ما يميز الإنسان هو قدرته على الكلام، بل قدرته على إعادة تشكيل العالم بالكلام. فاللغة ليست ظلًا للواقع كما نظن، بل شريكًا في فهمه وبنائه وتشكيل صورتنا عنه؛ تمنح الأحداث أسماءها، ثم تمنح الأسماء قدرةً خفية على توجيه العقول.
وربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا قالت الكلمات؟ بل: ما الذي جعلته الكلمات ممكنًا؟ وما الذي جعلته مستحيلًا؟
هناك، في تلك المسافة الخفية بين اللغة والواقع، يبدأ أحد أكثر أشكال النفوذ دهاءً. فبين ما يُقال وما يُسكت عنه، وبين ما يظهر وما يُخفى، تتشكل خرائط المعنى التي توجه وعينا بالعالم، وتحدد حدود ما نراه ممكنًا أو بديهيًا أو جديرًا بالتصديق.
ومن هنا تبدأ مهمة الباحث؛ لا في تتبع الكلمات وحدها، بل في مساءلة الأطر التي تصوغ المعنى، وكشف ما تحاول الخطابات أن تجعله طبيعيًا أو غير مرئي. ولعل أخطر ما في اللغة أنها لا تكتفي بمنح الأشياء أسماءها، بل تمنح الأسماء سلطةً على الأشياء.
وحين ننجح في مساءلة الكلمات التي تبدو لنا بديهية، فإننا لا نعيد النظر في اللغة وحدها، بل نعيد النظر في العالم الذي أسهمت اللغة في بنائه داخلنا.
بقلم الباحثة في اللُّغة والأدب:
أماني أبو العنين
