بقلم: مؤيد أحمد المجالي

حين يتحدث الناس عن العلاقة بين الآباء والأبناء، غالباً ما تتجه الأنظار نحو واجبات الأبناء وحقوق الوالدين، فيُستحضر البر والطاعة والإحسان، وتُتلى الآيات والأحاديث التي تحضّ على توقير الوالدين وخدمتهما. غير أن جانباً آخر من المعادلة كثيراً ما يُغفل، وهو مسؤولية الآباء أنفسهم في تهيئة أبنائهم للبر، وإعانتهم عليه، وعدم تحويل هذه الفريضة إلى عبء نفسي أو امتحان دائم.

لقد أدركت الحكمة الإسلامية هذه الحقيقة مبكراً، فنُقل عن بعض السلف قولهم: «أعينوا أبناءكم على بركم». وهي عبارة قصيرة في ألفاظها، عميقة في دلالاتها، إذ تنقل العلاقة الأسرية من منطق السلطة المجردة إلى منطق المسؤولية المتبادلة.

فالبر لا ينشأ في فراغ، ولا يُنتج بالإكراه، ولا يُفرض بالقوة. إنما ينمو في بيئة من الرحمة والعدل والاحترام، ويترسخ عبر سنوات طويلة من الحضور الإنساني الصادق داخل الأسرة.

إن الأب الذي يطالب أبناءه بالطاعة المطلقة بينما يمارس القسوة والإهانة، أو الذي يطالبهم بالاحترام وهو لا يحترم مشاعرهم، إنما يضعهم في صراع مؤلم بين الواجب الشرعي والمشاعر الإنسانية. وقد يستطيع الابن أن يلتزم بظاهر البر، لكنه قد يفقد روحه ومعناه.

كما أن التمييز بين الأبناء، وتفضيل بعضهم على بعض، وخلق المقارنات الجارحة بينهم، يزرع بذور الغضب والخصومة داخل الأسرة. فالعدل ليس فضيلة تربوية فحسب، بل هو شرط أساسي لبقاء المودة والثقة.

ومن صور إعانة الأبناء على البر أن يدرك الآباء أن أبناءهم ليسوا امتداداً حرفياً لهم، وأن لكل جيل ظروفه وتحدياته وأحلامه المختلفة. فالابن الذي يُمنح مساحة للاختيار، ويُعامل كشخص كامل الكرامة، يكون أكثر قدرة على رد الجميل والإحسان إلى والديه.

ولا يقل أهمية عن ذلك أن يرى الأبناء آباءهم قدوةً في البر نفسه؛ فالذي يبر والديه، ويحترم كبار السن، ويعامل الناس بالرحمة، يغرس في أبنائه هذه القيم دون خطب أو مواعظ. فالتربية بالقدوة أبلغ أثراً من التربية بالأوامر.

وفي المقابل، قد يتحول بعض الآباء إلى مصدر دائم للشعور بالذنب أو التقصير، من خلال المطالب المتزايدة أو التذكير المستمر بالتضحيات أو استخدام البر وسيلة للضغط النفسي. وهنا يفقد البر معناه، ويتحول من فعل محبة إلى أداء ثقيل يخلو من الروح.

إن الأبناء الذين تربوا على الاحترام والاحتواء غالباً ما يحملون آباءهم في قلوبهم قبل أكتافهم، ويحيطونهم بالرعاية قبل أن يطلبوها، ويستمر برهم حتى بعد رحيلهم بالدعاء والذكر الحسن والوفاء.

ولعل أجمل ما يمكن أن يتركه الأب في نفوس أبنائه ليس المال ولا الممتلكات، بل الذكرى الطيبة، والكلمة الحانية، والعدل الذي عاشوه، والأمان الذي شعروا به في حضوره.

إن برّ الأبناء بآبائهم فريضة، لكن إعانة الآباء أبناءهم على هذا البر مسؤولية لا تقل أهمية. فالأب الحكيم لا يكتفي بالمطالبة بحقه، بل يصنع في قلوب أبنائه الأسباب التي تجعلهم يؤدون هذا الحق حباً لا خوفاً، ووفاءً لا اضطراراً.

فإذا كان الأبناء يُسألون يوماً: كيف بررتم آباءكم؟ فإن الآباء أيضاً قد يُسألون: كيف أعنتم أبناءكم على بركم؟