بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
في كل مرحلةٍ من مراحل التاريخ، يعلو صوتٌ ويخفت آخر، لكن يبقى الفارق الحقيقي لا يُقاس بمن يرفع صوته أكثر، بل بمن يدفع ثمن موقفه أكثر. فهناك من اعتاد أن يتصدر المشهد بالكلمات، وهناك من يصنع المشهد بالفعل ثم ينسحب بصمت، لأن الأفعال عنده أبلغ من كل خطاب.
لقد أصبح الحديث عن الولاء والانتماء سهلًا، حتى باتت بعض الشعارات تُقال وكأنها بديل عن الفعل، وكأن الوطنية تُكتسب بالتصريح لا بالموقف، وبالخطاب لا بالتضحية. لكن الحقيقة التي لا تتغير أن الولاء لا يُكتب… بل يُثبت.
فالولاء ليس بيانًا، ولا خطابًا، ولا منصبًا، ولا صورةً تُلتقط عند الحاجة.
الولاء موقف حين يصمت الجميع.
والانتماء ثبات حين يتراجع الآخرون.
والوطنية كلفة لا يعرفها إلا من دفعها كاملًا دون انتظار مقابل.
أما من اعتاد ركوب الموجة، وتبديل خطابه مع تغيّر الاتجاه، واختيار المواقف الآمنة فقط، فهو يعرف كيف يعلو صوته في زمن المكاسب، وكيف يختفي في زمن التضحيات. وهؤلاء مهما كثر حضورهم في المشهد، يظلون غيابًا عند اختبار الحقيقة.
لقد أثبتت التجارب أن المتكلمين يكثرون، لكن الصادقين قلة، وأن الشعارات تُرفع بسهولة، بينما المواقف تُدفع بثمنٍ لا يقدر عليه إلا أصحاب الرسالة.
وهنا يظهر الانقسام الحقيقي في كل زمان ومكان:
أصحاب الرسالة يدفعون الثمن.
وأصحاب المصالح يحسبون الغنيمة.
أصحاب الرسالة يبنون في الصمت.
وأصحاب المصالح يتسلقون على ما بناه غيرهم.
أصحاب الرسالة يقفون حين يصبح الوقوف خسارة.
وأصحاب المصالح يتقدمون حين يصبح الطريق آمنًا.
إن الأوطان لا تُبنى على الضجيج، ولا تُحفظ بالشعارات، ولا تُدار بالمجاملات، بل تُبنى على من اختاروا أن يكونوا مع الحقيقة لا مع المصلحة، مع الموقف لا مع المكسب، مع الكرامة لا مع الحسابات.
ولهذا فإن من يظن أن الانتماء يُشترى بالكلمات، أو يُمنح بالمناصب، أو يُثبت بالخطابات، لم يفهم بعد طبيعة التاريخ؛ لأن التاريخ لا يسأل عما قيل… بل عما فُعل.
نحن لا نتحدث من موقع البحث عن مكسب، ولا نرى في المسؤولية غنيمة، بل نراها حملًا ثقيلًا لا ينهض به إلا من أدرك أن الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من الجميع، وأعلى من الجميع.
نحن لا نقيس قيمتنا بما يُمنح لنا، بل بما نقدمه حين لا يرانا أحد. ولا نطلب موقعًا، ولا نلهث وراء منصب، لأننا نعلم أن المناصب تأتي وتذهب، لكن المواقف وحدها هي التي تبقى.
وفي هذا السياق، نؤكد أننا قدّمنا للوطن الكثير، وما زلنا نقدّم دون انتظار منّةٍ من أحد، لأن الواجب الذي نحمله في صدورنا يفرض علينا أن نكون دائمًا إلى جانب الوطن لا عليه، وأن نضع مصلحته فوق كل اعتبار.
لا نطلب منصبًا ولا نلهث وراء موقعٍ سيادي، ولا نرى في المسؤولية غنيمةً أو مكسبًا، بل نراها أمانةً ثقيلة لا يحملها إلا من صدق مع نفسه ومع وطنه.
نسعى لأن يبقى الوطن شامخًا عاليًا فوق كل الشبهات، ونقدّم ما نملك في سبيله في زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتختلط فيه المواقف، ويعلو فيه أحيانًا ضجيج الادعاء على هدوء الفعل. ومع ذلك يبقى الوطن أكبر من الجميع، وأبقى من كل عابر، ولا يُقاس بحديثٍ يُقال أو شعارٍ يُرفع، بل بالفعل حين يصبح هو الاختبار الحقيقي للانتماء.
نحن لا نحتسب أنفسنا على المناصب، ولا نقيس قيمتنا بما نُعطى من مواقع، لأننا نؤمن أن الوطن ليس كرسيًا، ولا لقبًا، ولا واجهةً تُرفع عند الحاجة ثم تُنسى عند الشدائد؛ الوطن هو الناس، هو الأرض، هو الكرامة، وهو المسؤولية التي لا ينهض بها إلا الصادقون.
أما في ساحات العمل العام، فهناك من يتقدم حين يكون الطريق ممهدًا، ويتحدث حين يكون الكلام بلا كلفة، ويتراجع حين يصبح الموقف بحاجة إلى ثمن. وفي المقابل، هناك من يختار أن يكون في موقع الفعل لا القول، وفي موقع الالتزام لا التبرير، وفي موقع المسؤولية لا الاستعراض.
إن الفارق بين الخطاب والموقف واضح لا يحتاج إلى تفسير: فالكلمة قد تُقال بسهولة، أما الموقف فلا يُثبت إلا عند الامتحان. ولذلك فإن التاريخ لا يحفظ الضجيج، بل يحفظ الأثر، ولا يخلّد الأقوال، بل يخلّد الأفعال.
وفي النهاية، حين يهدأ كل شيء، وتسقط كل العناوين، يبقى سؤال واحد هو معيار الحقيقة:
ماذا قدّم كلٌّ منا عندما كان الموقف يحتاج إلى رجل؟
عندها فقط تتمايز الصفوف، ويسقط الادعاء، وتنكشف الحقائق بلا حاجة إلى شرح.
ويبقى الثابت الوحيد:
إمّا حياةٌ تسرُّ الصديق بما فيها من شرفٍ وثباتٍ وموقفٍ لا يُشترى ولا يُباع،
وإمّا موتٌ يغيظُ العِدى لأن صاحبه عاش واقفًا، لم يساوم، ولم ينحنِ، ولم يجعل من الوطن وسيلة، بل غاية
