المستشار الإعلامي جميل سامي القاضي
لا تزال قضية الجلوة العشائرية في الأردن من أكثر القضايا الاجتماعية حساسية لما تتركه من آثار إنسانية واقتصادية واجتماعية على الأفراد والعائلات ، وعلى الرغم من الخطوات التي اتخذتها الدولة خلال السنوات الماضية لضبط هذه الممارسة والحد من آثارها، إلا أن القضية ما زالت تعود إلى واجهة النقاش في اجتماعات ومؤتمرات متكررة.
في عام 2021 صدر قرار من رئاسة الوزراء باعتماد وثيقة ضبط الجلوة العشائرية التي أُعدت بالتعاون مع الجهات المختصة، ووقع عليها أكثر من 1500 شخصية من شيوخ ووجهاء العشائر والشخصيات المؤثرة في مختلف المحافظات والألوية ، وقد شكلت الوثيقة نقطة تحول مهمة في تنظيم هذا الملف، إذ حصرت الجلوة في قضايا القتل، وحددت المشمولين بها، ووضعت ضوابط زمنية ومكانية واضحة، بهدف الحد من الممارسات التي توسعت سابقًا خارج إطارها.
أن موضوع الجلوة ليس جديدا أو بحاجة لإعادة اكتشاف، بل طرح وبحث عبر مبادرات وحملات مجتمعية واسعة ، أن ملف الجلوة العشائرية لم يبدأ مع الاجتماعات الحالية، بل سبق أن كان محل دراسات ومبادرات مجتمعية واسعة. فقد أظهرت دراسات سابقة عام 2012 ضمن مشروع لدعم حق الأردنيين في الإقامة والتنقل والحد من ظاهرة الجلوة العشائرية، وتضمن عقد أكثر من ثلاثين جلسة استهدفت شيوخ العشائر والشباب والصحفيين والنواب ومؤسسات المجتمع المدني في مختلف محافظات المملكة، بهدف بناء توافق مجتمعي حول الحد من هذه الظاهرة ، كما شملت الجهود حملة لجمع التواقيع لإنهاء الجلوة العشائرية، وتم خلالها جمع أكثر من ثمانية آلاف توقيع من أفراد المجتمع المحلي، وخاصة من الشباب وشيوخ العشائر.
حيث تم دراسة الجلوة العشائرية في الأردن، وآلية تطبيقها وآثارها القانونية والاجتماعية والإنسانية، وتناول التقرير مفهوم الجلوه وتطبيقها الذي يتوسع أحيانا ليشمل أقارب الجاني حتى الدرجة الخامسة، بما في ذلك النساء والأطفال، وليس الجاني وحده.
أن الجلوة كانت مرتبطة تاريخيا بقوانين المحاكم العشائرية القديمة لكن هذه القوانين أُلغيت عام 1976 ما يعني أن الجلوة لا تمتلك سندا قانونيا واضحا حاليا، واستمرار تطبيقها يعتمد على الأعراف والعادات الاجتماعية، مع وجود دور للحكام الإداريين استنادا إلى صلاحيات وقائية مرتبطة بحفظ الأمن.
ومن مجمل الآثار السلبية للجلوة انتهاك حق الإقامة والتنقل عبر إجبار العائلات على مغادرة مساكنها و فقدان فرص العمل أو تعطل مصادر الدخل الى جانب انقطاع الأطفال والشباب عن التعليم وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية وكذلك التأثير على حق المشاركة والانتخاب وتفكك الأسر وتشتيت العائلات وخلق أعباء نفسية واجتماعية كبيرة.
وخلصت الدراسة إلى أن الجلوة بصيغتها المطبقة تؤدي إلى معاقبة أشخاص لم يرتكبوا الجريمة، وتتناقض مع مبادئ العدالة الفردية وسيادة القانون، وتم وضع عددا من التوصيات ومنها ، إنهاء أو الحد من تطبيق الجلوة العشائرية وتعزيز الاحتكام إلى القضاء الرسمي بدل الأعراف مع اهمية نشر ثقافة سيادة القانون الى جانب حماية حقوق الأفراد المتضررين من الجلوة.
وهذا الاستعراض يؤكد أن القضية مرت بمراحل طويلة من الحوار والتوافق المجتمعي، وبالتالي فإن التحدي اليوم لا يتمثل في إعادة فتح الملف من نقطة الصفر، بل في حماية ما تم إنجازه ومنع أي محاولات لإعادة الأمور إلى ما قبل الوثيقة والضوابط التي أُقرت رسميا.
فالقضية ليست نقصا في الحوار أو الدراسات، بل في الالتزام بما تم الاتفاق عليه سابقا .
لذلك فإن التساؤل اليوم لا يتعلق بغياب المرجعية أو الحاجة إلى إعادة تعريف المشكلة، فالقرار موجود والوثيقة موجودة والتطبيق بدأ منذ سنوات، وإنما يتعلق بكيفية المحافظة على ما تحقق وعدم التراجع عنه. فالقضية ليست في نقص التشريعات أو الضوابط، بل في محاولات بعض الوجوه الجديدة الذين يتحركون من تلقاء انفسهم لحل القضايا دون تكليف من وزارة الداخلية او الامن العام او المستشارية وذلك في بداية ظهورهم ومن ثم تم اعتمادهم من قبل البعض حتى أصبحوا يتحركون على ساحات الوطن وكأنهم اصحاب سلطة وصولجان، ومنهم من تجاوز ما تم الاتفاق عليه، ومحاولتهم إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل اعتماد الوثيقة.
إن الخطر لا يكمن في استمرار الحوار حول الجلوة العشائرية، بل في أن تتحول بعض اللقاءات إلى مساحة لإعادة إنتاج اجتهادات تجاوزها الزمن، أو لإبراز أدوار وأسماء جديدة على حساب ما تم التوافق عليه رسميا ومجتمعيا ، فالعودة إلى توسيع مفهوم الجلوة أو التهاون في تطبيق ضوابطها تعني عمليا العودة إلى معاناة الأسر وتشريدها وإعادة فتح أبواب المشكلات التي جاءت الوثيقة لمعالجتها.
إن المطلوب اليوم ليس العودة إلى نقطة البداية، وإنما تعزيز الالتزام بما أُنجز، وتحصين وثيقة ضبط الجلوة العشائرية من أي محاولات للالتفاف عليها، لأن قوة أي إصلاح لا تقاس بإعلان القرارات فقط، وإنما باستمرار احترامها وحمايتها من التراجع.
