بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
قد نختلف في الرأي، وقد تتباين أفكارنا السياسية، وقد تشتد بيننا النقاشات والسجالات، وربما ترتفع الأصوات وتحتدم المواقف، لكن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن اختلاف الأردنيين لم يكن يوماً على الأردن، بل كان دائماً من أجل الأردن.
فلا يوجد أردني يختلف مع أردني آخر على حب الأردن، ولا يوجد أردني صادق يقبل أن يُمس أمن هذا الوطن أو استقراره أو سيادته أو كرامته. نختلف على الوسائل ونتفق على الغايات، نختلف على السياسات ونتفق على الثوابت، نختلف على التفاصيل ويبقى الأردن هو العنوان الجامع الذي لا يختلف عليه اثنان.
ومن يظن أن اختلاف الأردنيين ضعف، فهو لا يعرف الأردن، ومن يتوهم أن تنوع الآراء انقسام، فهو لا يفهم طبيعة هذا الشعب. فالأردنيون اعتادوا أن يناقشوا ويختلفوا ويعارضوا ويؤيدوا، لكنهم لم يعرفوا يوماً طريقاً يخرج بهم من دائرة الانتماء لوطنهم أو الولاء لدولتهم.
قد نختلف في اجتهاداتنا ومواقفنا، لكننا نبقى أبناء وطن واحد، تجمعنا راية واحدة وقيادة واحدة ودولة واحدة. وما بين الأردنيين من خلافات لا يتجاوز حدود الرأي والاجتهاد، أما الثوابت الوطنية فتبقى فوق كل نقاش وخارج كل خلاف.
ومهما بلغت حدة النقاشات بين الأردنيين، فإنها تبقى خلافات لا مكان فيها للحقد ولا للكراهية ولا للازدراء. نختلف باحترام، ونتحاور بمسؤولية، وندرك أن لكل إنسان حقه في التعبير عن رأيه، وأن الاختلاف لا يفسد الانتماء، ولا يلغي المحبة، ولا يهدم الاحترام المتبادل بين أبناء الوطن الواحد.
فالأردني لا يرى في أخيه الأردني خصماً أو عدواً، بل شريكاً في حمل المسؤولية، وإن اختلفت وجهات النظر بينهما. والذي يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، وتاريخ هذا الوطن شاهد على أن الأردنيين كانوا دائماً أكثر قوة ووحدة كلما اشتدت التحديات وتعاظمت الأخطار.
الأردن ليس مجرد حدود مرسومة على الخريطة، بل هو تاريخ وهوية وكرامة وتضحيات أجيال صنعت الدولة، وحمتها، ورسخت مؤسساتها. وهو البيت الذي يجمع أبناءه مهما تباعدت آراؤهم، والسقف الذي يستظل به الجميع دون استثناء.
وعندما تكون القضية هي الأردن، تتراجع الخلافات وتتقدم المصلحة الوطنية، وتسقط الحسابات الضيقة، ويقف الجميع في خندق واحد وصف واحد وموقف واحد. فلا حزب يسبق الوطن، ولا مصلحة تعلو على مصلحة الدولة، ولا اعتبار يتقدم على أمن الأردن واستقراره ووحدته.
وعند الأردن ترفع الأقلام وتجف الصحف، وتنتهي الخصومات، وتسقط الاصطفافات، لأن الوطن هو الثابت الذي نلتقي عنده جميعاً، وهو القاسم المشترك الذي يسمو فوق الآراء والمواقف والاجتهادات.
سيبقى الأردن الجامع الأكبر لأبنائه، وستبقى وحدته الوطنية هي خط الدفاع الأول عن دولته واستقراره. قد تتعدد الآراء، لكن عند الأردن تتوقف كل الخلافات، وتبدأ مسؤولية الانتماء الحقيقي
