لم يعد المواطن الأردني يحتمل المزيد من الوعود، ولا المزيد من التبريرات، ولا المزيد من تحميله فاتورة كل أزمة اقتصادية تمر بها الدولة.

فكل يوم ترتفع فاتورة جديدة، ورسوم جديدة، وضرائب جديدة، بينما يزداد الفقر، وتتسع دائرة البطالة، ويضيق العيش على الناس.

أما أزمة المياه، فقد أصبحت عنوانًا يتكرر كل صيف، حتى بات المواطن يتساءل: هل المشكلة فعلًا في شح المياه، أم في سوء الإدارة والتخطيط؟ ولماذا تعيش مناطق مجاورة للأردن ظروفًا مختلفة؟ وهل المشكلة في الطبيعة أم في طريقة إدارة هذا الملف؟

الشعب لا يريد سماع الأعذار، بل يريد حلولًا.

لكن السؤال الأكبر الذي أصبح يتردد في كل بيت أردني هو:

هل يعقل أن يكون الأردن فقيرًا حقًا؟

أم أن الفقر في الإدارة الاقتصادية، وفي استثمار الموارد، وفي تحويل الثروات إلى مشاريع إنتاجية؟

الأردن ليس دولة بلا إمكانات. فالفوسفات والبوتاس وحدهما يعدان من أهم الثروات التعدينية في المنطقة، وهناك حديث متواصل منذ سنوات عن احتياطيات من اليورانيوم، والزيت الصخري، والنحاس، والغاز الطبيعي، وغيرها من الموارد التي يؤكد المختصون أنها تمتلك قيمة اقتصادية كبيرة إذا أُحسن استثمارها.

ومن جهة أخرى، هناك قطاعات تدر إيرادات ضخمة على الدولة، مثل الجمارك، ورسوم التراخيص، والضرائب بمختلف أنواعها، إضافة إلى عوائد قطاعات استراتيجية كالاتصالات والموانئ وغيرها.

ومن حق المواطن أن يتساءل:

إذا كانت كل هذه الموارد والإيرادات موجودة، فلماذا لا ينعكس أثرها على حياته؟ ولماذا تبقى البطالة والفقر وغلاء المعيشة هي العنوان الأبرز؟

وهنا يبرز السؤال الذي لا بد من طرحه بكل جرأة:

هل توجد مصالح تعرقل استثمار بعض الثروات الوطنية؟ وهل هناك أسباب سياسية أو اقتصادية أو إدارية تحول دون استخراجها والاستفادة منها؟ أم أن المشكلة تكمن في غياب القرار، وضعف الإدارة، وتأجيل الملفات عامًا بعد عام؟

هذه ليست اتهامات، بل أسئلة مشروعة، والإجابة عنها حق للشعب.

إن المطلوب اليوم ليس دفن الملفات، بل فتحها بكل شفافية أمام الأردنيين، وإطلاعهم على الحقائق كاملة.

لقد آن الأوان لأن تنتقل الدولة من سياسة الجباية إلى سياسة الإنتاج.

فلا يمكن أن تبقى الموازنة تعتمد على جيب المواطن، بينما تبقى موارد الوطن دون استثمار أمثل.

لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تبنى بكثرة الضرائب، وإنما بحسن إدارة الموارد، وتشجيع الاستثمار، وخلق الصناعات، وتحويل الثروات إلى فرص عمل ومشاريع تنموية.

إن الأردن بحاجة إلى إدارة اقتصادية تمتلك الجرأة والرؤية، لا إدارة تجيد فقط رفع الرسوم وإصدار الفواتير.

فواتير المياه، والكهرباء، والصرف الصحي، والنفايات، والاتصالات، والضرائب، والرسوم، أصبحت تستنزف دخل المواطن، بينما راتبه لم يعد يكفي لأيام معدودة.

وفي المقابل، ينتظر آلاف الشباب فرصة عمل فلا يجدونها، ويتأخر الزواج، وتزداد الضغوط الاجتماعية، وتتفاقم المشكلات الاقتصادية، وهو ما ينعكس على استقرار المجتمع بأكمله.

ثم يأتي من يطالب بإعادة التوسع في حبس المدين، وكأن المشكلة في المواطن لا في السياسات الاقتصادية التي أوصلته إلى التعثر.

إن المواطن الأردني لا يريد إعفاءات، ولا يبحث عن صدقات، ولا يطلب المستحيل.

إنه يريد فقط أن يرى ثروات وطنه تعمل من أجله، وأن يشعر بأن ما يدفعه من ضرائب ورسوم يعود عليه بخدمات وفرص حياة كريمة.

لقد آن الأوان للبحث عن إدارة اقتصادية حكيمة، تؤمن بالإنتاج قبل الجباية، وبالاستثمار قبل الاقتراض، وبخلق فرص العمل قبل زيادة الضرائب.

الأردن لا تنقصه الموارد بقدر ما يحتاج إلى إدارة قادرة على تحويل الإمكانات إلى إنجازات، والثروات إلى اقتصاد قوي، والإيرادات إلى تنمية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.

لقد بلغ السيل الزبى…

ولم يعد الشعب الأردني يريد خطابات، بل قرارات شجاعة، ومصارحة حقيقية، ورؤية اقتصادية تعيد للوطن قوته، وللمواطن كرامته، وللشباب حقهم في العمل، والأمل، ومستقبل يستحقونه