بقلم الناشطة الاجتماعية نانسي السيوري

في الثامن والعشرين من حزيران عام 1994، لم تستقبل عمّان طفلًا جديدًا فحسب، بل استقبل الأردنيون اسمًا يحمل في وجدانه تاريخ وطنٍ كامل. جاء الأمير الحسين بن عبدالله الثاني إلى الدنيا، ليحمل اسم جده الراحل، الملك الحسين بن طلال، ذلك الاسم الذي لا يزال يسكن ذاكرة الأردنيين بوصفه رمزًا للإنسانية والقرب من الناس.
لم يكن اختيار الاسم تفصيلًا عابرًا. ففي الأردن، حين يُذكر "الحسين"، لا يُستحضر شخص واحد، بل تُستحضر عقود من العلاقة بين القيادة والشعب، والقرى التي زارها الملك الحسين، والجنود الذين صافحهم، والأمهات اللواتي احتضن أبناءهن بعد أن شاركهم أفراحهم وأحزانهم. لذلك، عندما حمل ولي العهد هذا الاسم، حمل معه إرثًا من المحبة قبل أن يحمل أي مسؤولية رسمية.
نشأ الأمير الحسين في بيتٍ يعرف معنى الدولة قبل معنى السلطة، وتربى بين مدرسة الحياة الأردنية ومؤسساتها، ثم أكمل تعليمه في الأردن، قبل أن يدرس التاريخ الدولي في الولايات المتحدة، ويتخرج من أكاديمية ساندهيرست العسكرية، كما فعل والده وجده من قبل، ليكون الإعداد للمسؤولية قائمًا على العلم والانضباط والخدمة.
وفي عام 2009، صدرت الإرادة الملكية بتسميته وليًا للعهد، لتبدأ مرحلة جديدة من حضوره في الحياة العامة، ليس بصفته وريثًا دستوريًا فحسب، بل شريكًا في ملفات الشباب والتعليم والاقتصاد وريادة الأعمال، وهي الملفات التي أصبحت عنوانًا واضحًا في نشاطه اليومي، وتجسدت من خلال إطلاق مؤسسة ولي العهد التي منحت آلاف الشباب الأردنيين فرصًا للتدريب والابتكار والعمل التطوعي.
وما يلفت النظر في شخصية الأمير الحسين أنه لم يبنِ صورته من خلف المكاتب، بل من الميدان. نراه بين الجنود بصفته ضابطًا في القوات المسلحة الأردنية، وبين الشباب في الجامعات، وبين المتطوعين، وفي المحافظات، وفي مواقع العمل، وفي المحافل الدولية التي يحمل فيها صوت الأردن بثقة جيلٍ يعرف أن المستقبل لا يُنتظر، بل يُصنع.
وعندما تزوج من الأميرة رجوة الحسين عام 2023، ثم رزق بابنته الأولى الأميرة إيمان عام 2024، تابع الأردنيون هذه المحطات كما لو أنها أفراح عائلة واحدة، لأن العلاقة بين الأردنيين وقيادتهم لم تُبنَ على المناسبات الرسمية فقط، بل على شعور متبادل بالقرب والإنسانية.
اليوم، في ذكرى ميلاده، لا يحتفل الأردنيون بتاريخٍ على ورقة التقويم فقط، بل يتوقفون أمام رحلة بدأت باسمٍ كبير، وتحولت إلى مسؤولية أكبر. فالحسين الذي حمل اسم جده، يسير اليوم على خطى مدرسةٍ هاشمية تؤمن بأن قيمة القيادة تُقاس بقدر قربها من الناس، وأن قوة الدولة تبدأ من الاستثمار في شبابها، وأن الأردن سيبقى، كما كان دائمًا، وطنًا يراهن على الإنسان.
كل عام وسمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني بألف خير... وكل عام والأردن يمضي بثقة نحو المستقبل، مستندًا إلى تاريخٍ عريق، وشبابٍ يحملون الحلم، وقيادةٍ تؤمن أن أعظم ثروة لهذا الوطن هي شعبه.