بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
ليست سورة يوسف قصة نبي فحسب، بل مرآة يرى فيها كل إنسان نفسه؛ فيوسف نموذج الأمانة والعفة والصبر، وإخوته صورة الحسد والطمع، ويعقوب مدرسة اليقين، وامرأة العزيز مثال الفتنة حين تقودها الشهوة، والعزيز شاهد على أن المنصب لا يغني عن الحق شيئًا.
وستبقى هذه القصة ما بقي الإنسان يصارع بين الحق والباطل، وبين الأمانة والخيانة، وبين العدل والظلم. إنها ليست قصة للتاريخ، بل رسالة للحاضر، ومحاكمة مفتوحة للضمائر في كل زمان ومكان.
في هذه السورة لم ينتصر الكيد، ولم يدم الظلم، ولم يحمِ المنصب صاحبه، ولم يرفع الله إلا الصادقين والمحسنين. إنها رسالة لكل من يظن أن الطريق إلى المجد يُعبد بالخيانة، أو أن الوصول يكون على أكتاف الآخرين، أو أن النفوذ يحجب عدالة السماء.
فليقرأها كل صاحب منصب، وكل من أوكلت إليه أمانة، وكل من أغرته الدنيا، ليدرك أن الملك قد يؤتى للإنسان، لكن البقاء لا يكون إلا لمن حفظ الأمانة وأحسن إلى الناس. فبين البئر والقصر، وبين السجن والملك، تتجلى حقيقة واحدة: أن الله يمهل ولا يهمل، وأن العاقبة ليست للأقوى… بل للأتقى.
حين قال يعقوب عليه السلام: ﴿يا أسفى على يوسف﴾، كان جميع أبنائه حوله، لكن يوسف وحده كان الغائب. إنها رسالة بأن بعض الأشخاص لا يملأ مكانهم أحد، فالمحبة الصادقة لا تُقاس بعدد من حولنا، بل بمن يسكن القلب.
وعندما قال: ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾، التقط الأبناء هذه الكلمة وجعلوها حجتهم. وفي ذلك تنبيه للمربين أن ينتقوا كلماتهم، فلا يقدموا بأيديهم الفكرة التي قد تُستعمل ذريعة أو حيلة.
وبعد سنوات طويلة، لم يفقد يعقوب عليه السلام الأمل، بل قال: ﴿اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه﴾. إنها دعوة إلى ألا نجعل حسابات العقل تقضي على حسن الظن بالله، فما دام الله قادرًا فلا يوجد مستحيل.
ومن عجائب النفس البشرية أن الإخوة قالوا عندما احتاجوا إليه: ﴿فأرسل معنا أخانا﴾، فلما تغيرت المصلحة قالوا: ﴿إن ابنك سرق﴾. وهكذا يتغير خطاب بعض الناس بتغير مصالحهم، أما أصحاب المبادئ فيثبتون على أخلاقهم.
وقال الله عن يوسف عليه السلام: ﴿فأسرها يوسف في نفسه﴾. ليس كل كلمة جارحة تستحق الرد، فالصمت الحكيم أحيانًا أبلغ من ألف جواب، وكتمان الغضب من شيم العقلاء.
وتكرر القميص في قصة يوسف ثلاث مرات؛ مرة كان سببًا للحزن، ومرة دليلًا على البراءة، ومرة بشارة بعودة الفرح. وكأن الله يعلمنا أن ما يؤلمك اليوم قد يكون بداية أجمل أيامك غدًا.
كما تعلمنا السورة أن العفة ليست خُلُقًا خاصًا بالنساء، بل هي شرف الرجال أيضًا، حين قال يوسف عليه السلام: ﴿معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي﴾، فانتصر لإيمانه على شهوته
ولم يحسد إخوة يوسف أخاهم على مال أو سلطان، وإنما قالوا: ﴿يوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا﴾. فمحبة القلوب أعظم من عطايا الأموال، وأثمن من كل متاع الدنيا.
وحين شهدت امرأة العزيز والنسوة ببراءته قائلات: ﴿حاش لله ما علمنا عليه من سوء﴾، كان ذلك ثمرة تاريخ ناصع وسيرة طيبة. فالإنسان يبني سمعته سنوات، ثم تقف إلى جانبه يوم يحتاجها. فاحرص على تاريخك، فإنه خير شاهد لك.
وقيل ليوسف عليه السلام في السجن: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾، وقيل له وهو على خزائن مصر: ﴿إنا نراك من المحسنين﴾. فالمعدن الأصيل لا تغيره المواقع، ولا تبدله المناصب، لأن الإحسان خُلُق ثابت، لا ظرف مؤقت.
وحين اجتمع بأهله لم يقل: أنا عزيز مصر، بل قال بكل تواضع: ﴿أنا يوسف وهذا أخي﴾. فالنفوس الكبيرة لا تعرف التفاخر بالمناصب، لأنها تدرك أن قيمة الإنسان في أخلاقه، لا في كرسيه.
ولعل أعظم ما تمنحه لنا سورة يوسف أنها بدأت برؤيا وانتهت بتحققها، وكأن الله يخبرنا أن الأحلام التي تُبنى على الإيمان لا تموت، وأن وعد الله لا يخلف.
إنها السورة التي تعلمنا أن المريض قد يشفى، والغائب قد يعود، والحزين قد يفرح، والكرب قد ينكشف، وصاحب الهدف قد يصل، إذا أحسن الظن بربه.
ولهذا لا تحمل هموم الدنيا فوق رأسك، وقد جعل الله الأرض تحت قدميك. وتذكر أن موسى عليه السلام كان رضيعًا ضعيفًا، ومع ذلك نجاه الله، بينما غرق فرعون وهو في أوج قوته وجبروته. فالقوة ليست فيما نملك، وإنما فيمن نتوكل عليه.
ومن كان مع الله فلن يضره ضعفه، ومن أعرض عن الله فلن تنفعه قوته. إنها الثقة بالله… وهي أعظم ما نتعلمه من سورة يوسف.
لقد انتهت أحداث قصة يوسف عليه السلام، لكن دروسها لم تنتهِ، لأنها ليست قصة نبي فحسب، بل دستور للأخلاق، ومنهج في القيادة، وميزان للعدل، يهتدي به كل من يتولى مسؤولية، وكل من يطلب منصبًا، وكل من يحمل أمانة.
فالقرآن لا يروي القصص لنحفظ أحداثها، وإنما لنراجع بها أنفسنا.
فمن أراد أن يكون مسؤولًا، فليتعلم من يوسف الأمانة، ومن يعقوب الصبر، ومن امرأة العزيز أن الشهوة إذا غلبت الضمير أفسدته، ومن إخوة يوسف أن الحسد قد يدفع صاحبه إلى ارتكاب ما لا يتصوره.
وليتذكر كل من تجبّر، أو خان الأمانة، أو نهب حقًا، أو استغل منصبه، أو بنى مجده على أنقاض غيره، أن المناصب لا تدوم، والثروات لا تدوم، والنفوذ لا يدوم، وأن الله قد يمهل، لكنه لا يهمل.
إن التاريخ لا يخلّد أصحاب الكراسي، بل يخلّد أصحاب المبادئ، ولا يحفظ أسماء من جمعوا الأموال بغير حق، بل يحفظ أسماء من صانوا الأمانة، وعدلوا بين الناس، ووقفوا مع الحق ولو كان ثمنه غاليًا.
وسيظل يوسف عليه السلام شاهدًا على حقيقة لا تتغير؛ أن الصدق يرفع صاحبه ولو بدأ من قاع البئر، وأن الكيد يسقط صاحبه ولو ظن أنه بلغ أعلى القصور.
ولهذا… فما زالت المحاكمة مستمرة.
محاكمة الضمير قبل محاكمة القضاء، ومحاكمة الأخلاق قبل محاكمة التاريخ، ومحاكمة الإنسان أمام نفسه قبل أن يقف بين يدي ربه.
إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
وسيبقى يوسف عليه السلام، إلى قيام الساعة، شاهدًا على أن الله يرفع أهل الصدق والإحسان، ويكشف أهل الكيد والفساد، ولو بعد حين….
ولهذا، ما زالت المحاكمة مستمرة… محاكمةٌ لا تُدار في قاعات السياسة، ولا تُحسم بميزان المصالح، بل تُدار في ميزان الحق الذي لا يظلم عنده أحد
