بقلم: طارق عوده
تتسارع الأحداث على واجهتنا الشمالية بشكل لا يحتمل الرمادية أو الانتظار. إن التوغل الإسرائيلي الأخير في مناطق محافظة درعا، والقصف المستمر الذي يطال القرى السورية المحاذية للحدود الأردنية، ليس مجرد عملية عسكرية موضعية أو عابرة، بل هو تحول استراتيجي خطير يمس الأمن القومي الأردني في صميمه، ويفرض علينا إعادة النظر في كثير من الحسابات التقليدية.
جبهة شمالية مستباحة.. والاعتماد على الآخرين رهان خاسر
لقد أثبتت الوقائع على الأرض أن الاعتماد على الجيش السوري الحالي لحماية الحدود المشتركة أو لضبط الاستقرار في الجنوب السوري هو رهان على سراب. إن الضعف الهيكلي، والتشتت، والارتهان لقوى متعددة، جعل من هذا الجيش عاجزاً عن حماية سيادة بلاده، بل وثبتت خيانته لواجباته العسكرية والأخلاقية في مواجهة الغطرسة الإسرائيلية؛ حيث يقف متفرجاً أو منسحباً أمام التوغلات المتكررة.
إن ترك الأمن على حدودنا الشمالية بيد طرف واهن ومخترق يعني ببساطة تقديم خاصرتنا الشمالية على طبق من ذهب لكيان لا يخفي أطماعه.
سيناريو الكماشة: حصار الحدود الأطول
إذا وقفنا اليوم موقف المتفرج تجاه ما يحدث في درعا ومحيطها، فإننا نساهم بوعي أو بدون وعي في إتمام "سيناريو الكماشة". يمتلك الأردن شريطاً حدودياً هو الأطول مع فلسطين المحتلة، وإذا ما سمحنا لإسرائيل بتثبيت أقدامها ونفوذها في جنوب سوريا، فإننا سنصحو غداً لنفسد جغرافيتنا السياسية، ونكتشف أننا محاصرون من أطول حدين بريين لدينا.
هذا التمدد الإسرائيلي لن يتوقف عند حدود التوغل المؤقت، بل يهدف إلى فرض واقع أمني وعسكري جديد يضع الدولة الأردنية بين فكي كماشة تفرضها إسرائيل من الغرب ومن الشمال.
أوهام السلام والخرائط المعلنة
لا يحتاج الأردنيون إلى تذكير بأن كيان الاحتلال لا يحترم معاهدات السلام ولا المواثيق الدولية. ولم يعد الأمر سراً أو تحليلاً خلف الكواليس؛ فقد شاهدنا جميعاً، وأكثر من مرة، مسؤولين في حكومة الاحتلال يرفعون بوقاحة خرائط لما يسمى "إسرائيل الكبرى" تضم بوضوح أراضي المملكة الأردنية الهاشمية.
هذه النوايا التوسعية تترجم اليوم على الأرض بخطوات عملية وعسكرية خطيرة؛ وعلناً، وقبل فترة ليست بالبعيدة، أقدم جيش الاحتلال على إزالة خطوط الألغام من جانبه في المناطق الحدودية الشمالية، وهي خطوة لا يمكن تفسيرها في العلم العسكري إلا كمقدمة لتسهيل حركة الآليات، والتمهيد لتوغلات أوسع، وبناء حزام أمني جديد على حساب جيرانها.
النداء الأخير: على الجيش العربي التدخل
أمام هذا الواقع المرير، فإننا لا نملك ترف الانتظار أو الاعتماد على دبلماسية الوعود الزائفة. إن المسؤولية التاريخية تقع اليوم على عاتق قواتنا المسلحة الباسلة - الجيش العربي.
المطلوب اليوم هو تبني استراتيجية هجومية وقائية لحماية الحدود الأردنية من الجانب السوري مباشرة، وفرض منطقة عازلة أو حزام أمني يحمي قرانا وأراضينا في شمال المملكة من شظايا القصف الإسرائيلي ومن محاولات فرض أمر واقع جديد. يجب أن يفهم العدو قبل الصديق أن حدود الأردن خط أحمر، وأن جيشنا المصطفوي مستعد للتدخل المباشر لردع أي تقارب أو تهديد يمس السيادة الوطنية، دون انتظار إذن من أحد أو مراهنة على جيوش تفككت وفقدت قرارها.
إن حماية الأردن تبدأ من منع حصاره، والتحرك اليوم وفرض القوة هو الخيار الوحيد لضمان ألا نكون ضحية الغد.