دكتور محمد يوسف حسن بزبز
سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
---
في زمنٍ تتعدد فيه التحديات التي تستهدف الإنسان، لم تعد معركةُ مكافحة المخدرات مسؤوليةً أمنيةً فحسب، بل أصبحت مشروعًا وطنيًا متكاملًا، تتقاطع فيه أدوارُ التربية والتعليم، والأسرة، والإعلام، والمؤسسات المجتمعية، لبناء جيلٍ يمتلك الوعي قبل أن يواجه الخطر، والحصانة قبل أن يتعرض للإغراء.
ومن هنا، يكتسب اليوم العالمي لمكافحة المخدرات أهميةً تتجاوز حدود الاحتفاء بالمناسبة، ليصبح وقفةً وطنيةً صادقةً لمراجعة أدواتنا في الوقاية، وإعادة صياغة رسالتنا التربوية، انطلاقًا من حقيقةٍ راسخة مفادها أن الوقاية تبدأ قبل وقوع المشكلة، وأن بناء الإنسان هو الاستثمار الذي لا يعرف الخسارة.
وفي هذا السياق، جاءت كلمة أمين عام وزارة التربية والتعليم للشؤون التعليمية، الدكتور نواف العجارمة، خلال فعاليات اليوم العالمي لمكافحة المخدرات، لتقدم رؤيةً تربويةً عميقةً تتجاوز الأساليب التقليدية في التوعية، وتؤكد أن المدرسة ليست مؤسسةً لتلقين المعرفة فحسب، بل هي الحاضنة الأولى لبناء الشخصية، وصناعة الوعي، وترسيخ منظومة القيم التي تحصّن الطلبة من السلوكيات الخطرة.
لقد قدّم الدكتور العجارمة نموذجًا واضحًا لفلسفة وزارة التربية والتعليم في التعامل مع هذه الآفة، من خلال الانتقال من مفهوم ردّ الفعل إلى منهج الوقاية الاستباقية، عبر خطة إجرائية متكاملة نُفذت خلال العام الدراسي 2025/2026، استهدفت حماية الطلبة من المخدرات، وتعزيز وعيهم، وإكسابهم المهارات التي تمكنهم من اتخاذ القرار الصحيح في مواجهة مختلف التحديات.
إن المدرسة، كما تؤكد هذه الرؤية، ليست مجرد مبنى تعليمي، وإنما بيئة آمنة تُبنى فيها الشخصية، ويُغرس فيها الانتماء، ويُنمّى فيها التفكير الواعي، وتُكتشف فيها المشكلات قبل استفحالها. ومن هنا، جاءت المحاضرات التوعوية، والورش التدريبية، والأنشطة التفاعلية، والمسرحيات الهادفة، والمسابقات الثقافية، بوصفها أدوات تربوية تُخاطب عقل الطالب ووجدانه معًا، وتجعله شريكًا في حماية نفسه ومجتمعه.
ولعل من أبرز ما يستحق التقدير في طرح الدكتور العجارمة، تركيزه على دور الإرشاد التربوي باعتباره خط الدفاع الأول داخل المدرسة؛ فالمرشد التربوي ليس موظفًا لمعالجة المشكلات بعد وقوعها، بل قائد وقائي يكتشف المؤشرات المبكرة، ويعزز الأمن النفسي والسلوكي، ويزرع الثقة في نفوس الطلبة، وهو ما تجسد في الحملة الوطنية «نعم للحياة... لا للمخدرات» التي حملت رسالة تربوية وإنسانية عميقة.
ولا يمكن لأي منظومة وقائية أن تحقق أهدافها دون شريكها الأصيل؛ الأسرة. فالبيت هو المدرسة الأولى، والأبوان هما القدوة الأولى، وكلما ساد الحوار، والاحتواء، والرقابة الواعية داخل الأسرة، ازدادت قدرة الأبناء على مقاومة الانحراف، واتخاذ القرار السليم، والتمييز بين الصواب والخطأ. ومن هنا، فإن لقاءات أولياء الأمور، والبرامج التوعوية، والتواصل المستمر بين المدرسة والأسرة، تمثل أحد أهم مرتكزات النجاح في الوقاية.
أما المجتمع، فهو الحلقة التي تكتمل بها منظومة الحماية. فالإعلام، والمؤسسات الدينية، والجامعات، والأندية، ومؤسسات المجتمع المدني، جميعها مطالبة بأن تجعل من التوعية رسالةً مستمرة، لا ترتبط بمناسبة، بل تتحول إلى ثقافة يومية تُعلي قيمة الحياة، وتحاصر كل فكر أو سلوك يهدد مستقبل الشباب.
كما أن الشراكة الراسخة بين وزارة التربية والتعليم وإدارة مكافحة المخدرات تؤكد أن حماية الطلبة مسؤولية وطنية مشتركة، تتكامل فيها الخبرة الأمنية مع الرسالة التربوية، لتقديم نموذج أردني متقدم في الوقاية، يقوم على العلم، والتخطيط، والعمل الميداني.
ولعل تكريم الدكتور نواف العجارمة في ختام المؤتمر لم يكن تكريمًا لشخصه فحسب، بل كان تقديرًا لنهجٍ تربوي يؤمن بأن بناء الإنسان هو أعظم مشروع وطني، وأن المدرسة، عندما تؤدي رسالتها الحقيقية، تصبح أقوى حصون الوطن في مواجهة كل أشكال الانحراف.
إن أخطر ما تفعله المخدرات أنها لا تسرق حاضر الإنسان فقط، بل تختطف مستقبله، وتُبدد أحلامه، وتُضعف أوطانه. ولذلك، فإن أعظم انتصار يمكن أن نحققه ليس في ملاحقة المخدرات بعد انتشارها، بل في صناعة جيلٍ لا يجد فيها طريقًا إليه أصلًا.
وهنا تتجلى الرسالة التي حملها الدكتور نواف العجارمة بوضوح: إن المدرسة ليست مجرد مكان للتعليم، بل هي مصنع للوعي، وحصن للقيم، وخط الدفاع الأول عن الإنسان والوطن. وعندما تتكامل جهود المدرسة، والأسرة، والمجتمع، فإننا لا نحارب المخدرات فقط، بل نبني وطنًا أكثر أمنًا، وجيلًا أكثر وعيًا، ومستقبلًا أكثر إشراقًا.
