في الدول التي تحترم نفسها، يكفي أن تُثار شبهات موثقة حول مسؤول حتى تبدأ التحقيقات، وتتحرك الجهات الرقابية، ويخرج المسؤول ليجيب أمام الناس. أما في وطننا، فيبدو أن المشهد مختلف؛ تُثار الأسئلة، وتُنشر الوثائق التي يقال إنها تكشف تجاوزات، ويُثار الجدل لأيام وأسابيع، ثم لا يسمع المواطن إلا الصمت.
منذ ما يقارب الشهر، يتابع الأردنيون ما ينشره أحد الصحفيين من ملفات ووثائق وأسئلة تتعلق بمسؤولين وشخصيات نافذة. لا أتحدث هنا عن إصدار أحكام، فذلك شأن القضاء، لكنني أتحدث عن حق الناس في أن يروا المؤسسات تتحرك. أين الجهات الرقابية؟ أين ديوان المحاسبة؟ أين التحقيق؟ أين نتائج الفحص؟ أم أن كل ما يحدث لا يستحق حتى بيانًا يطمئن الناس بأن القانون يعمل؟
المشكلة ليست في صحفي نشر ملفًا، ولا في مواطن طرح سؤالًا، بل في أن الصمت أصبح هو اللغة الرسمية. وكأن الرسالة التي تصل للمواطن تقول: لا تسأل، ولا تناقش، ولا تنتظر محاسبة، فهناك من لا يُقترب منه مهما كانت الأسئلة كبيرة.
وعندما تتكرر الأحاديث عن تعيينات تثير الاستغراب، وعن أشخاص يصلون إلى مواقع مؤثرة فور تخرجهم، بينما يقف آلاف الشباب على أبواب البطالة سنوات طويلة، فمن حق الأردني أن يسأل: هل المعيار هو الكفاءة، أم الواسطة؟ هل الوظيفة العامة حق لجميع أبناء الوطن، أم أنها امتياز يتداوله أصحاب النفوذ؟
الوطن ليس مزرعة. الوطن لا يُدار بعقلية "هذا ابن فلان، وهذا قريب فلان، وهذا محسوب على فلان". الوطن يقوم على العدالة، وعلى تكافؤ الفرص، وعلى أن يكون القانون أعلى من الجميع، لا أن يصبح الجميع أقل من أصحاب النفوذ.
إذا كانت الملفات المنشورة غير صحيحة، فليخرج المسؤولون ويكذبوها بالدليل. وإذا كانت صحيحة، فليُحاسب كل من يثبت تجاوزه مهما كان موقعه. أما أن يبقى المواطن يرى الضجيج في الإعلام، ثم لا يرى حركة في مؤسسات الرقابة، فهذا يزرع الشك ويُضعف الثقة، والثقة هي رأس مال أي دولة.
لن يحمي الأردن الصمت، ولن تحميه المجاملات، ولن تحميه سياسة دفن الرؤوس في الرمال. الذي يحمي الأردن هو أن يشعر المواطن بأن القانون لا يفرق بين وزير وموظف، ولا بين مسؤول ومواطن، وأن المال العام أمانة، والمنصب تكليف لا تشريف.
الأردن أكبر من الأشخاص، وأكبر من المناصب، وأكبر من المصالح الضيقة. ومن يحب هذا الوطن لا يخاف من المحاسبة، بل يطالب بها، لأن الدول القوية لا تُبنى بحماية المخطئ، وإنما بإقامة العدل.
لسنا نريد دولة انتقام، بل دولة قانون. ولا نريد محاكمات إعلامية، بل تحقيقات شفافة تُظهر الحقيقة كاملة. أما أن يبقى كل شيء كما هو، وكأن الوطن مزرعة خاصة لا يسأل فيها أحد أحدًا، فذلك أخطر على مستقبل الدولة من أي ملف أو فضيحة.
بقلم: طارق عوده
