بقلم : عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
قال الله تعالى:
﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾.
وقال رسول الله ﷺ:
«من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة.»
من المبادئ التي قامت عليها الدولة الأردنية أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاستثمار في العلم والمعرفة هو الطريق لبناء مؤسسات قوية وإدارة عامة كفؤة. ولهذا كان الأردن، عبر تاريخه، داعمًا للتعليم، ومؤمنًا بأن بناء الإنسان يسبق بناء الحجر.
ومن هذا المنطلق، يثير الكتاب الرسمي الصادر عن وزارة الإدارة المحلية، والمتعلق بإجراءات تثبيت عدد من عمال البلديات، تساؤلات تستحق الوقوف عندها، خاصة فيما يتعلق بالتعهد المطلوب من الموظف بعدم تعديل وضعه الوظيفي إذا حصل مستقبلًا على مؤهل علمي أثناء خدمته.
وهنا لا نتحدث عن مخالفة للقانون، ولا نطالب بامتيازات خاصة، وإنما نناقش سياسة إدارية تمس شريحة واسعة من أبناء الوطن، ونأمل أن تخضع للمراجعة بما ينسجم مع التوجهات الوطنية في تمكين الشباب والاستثمار في الإنسان.
إن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
أي رسالة نوجهها إلى شباب الأردن عندما يشعر الموظف أن تعبه في الدراسة، وسهره، وما ينفقه من ماله الخاص للحصول على مؤهل جامعي، لن يكون له أي أثر في مستقبله الوظيفي؟
عامل الوطن ليس مجرد مسمى وظيفي، بل هو مواطن أردني يؤدي رسالة وطنية نبيلة، يستحق كل الاحترام والتقدير. وإذا اختار هذا العامل أن يواصل تعليمه بعد انتهاء ساعات عمله، فإنه يقدم نموذجًا يُحتذى في تحمل المسؤولية والإصرار على تطوير الذات، لا أن يُنظر إلى طموحه باعتباره أمرًا لا يترتب عليه أي قيمة وظيفية.
بل إن هذا الموظف يمتلك ميزة قد لا تتوافر لغيره.
فهو لا يحمل شهادة جامعية فقط، وإنما يجمع بين الخبرة العملية والمعرفة الأكاديمية. لقد عرف الميدان، وتعامل مع الناس، وفهم احتياجات العمل من واقع التجربة، ثم أضاف إلى ذلك التأهيل العلمي.
وفي الإدارة الحديثة، يُعد هذا النموذج من أفضل النماذج التي تستحق الاستثمار، لأن الخبرة حين تقترن بالعلم تُنتج موظفًا أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على التطوير، وأكثر فهمًا لاحتياجات المؤسسة والمواطن في آن واحد.
ومن هنا يبرز تساؤل مشروع:
إذا كان الموظف قد اجتهد وطوّر نفسه، فلماذا يُطلب منه مسبقًا ألا يستفيد من مؤهله العلمي في تعديل وضعه الوظيفي مستقبلًا؟
إننا لا نطالب بترقية تلقائية، ولا بتجاوز القانون، ولا بتعيين أحد خارج أسس العدالة والكفاءة، فهذه مبادئ يجب أن تبقى محفوظة.
لكننا نطالب بأن يبقى باب التنافس المشروع مفتوحًا أمام الجميع، وأن يكون المؤهل العلمي عنصرًا يمكن النظر إليه وفق أحكام القانون والحاجة الوظيفية، لا أن يُفرغ من أثره قبل الحصول عليه.
إن تشجيع الموظفين على التعليم المستمر ليس عبئًا على الإدارة، بل هو استثمار في رأس المال البشري، وهو ما تسعى إليه الدول التي تريد تطوير مؤسساتها وتحسين جودة خدماتها.
ومن حق الرأي العام أيضًا أن يتساءل:
هل من المصلحة الوطنية أن يبقى الموظف في موقعه الوظيفي مدى الحياة، مهما تطور علميًا واكتسب من خبرات؟
وهل تخسر الإدارة عندما يصبح لديها موظفون أكثر علمًا وخبرة، أم أنها تكون أكثر قدرة على خدمة المواطنين وتحقيق الكفاءة والإنتاج؟
إن الشباب الأردني لا يحتاج إلى من يطلب منه التخلي عن طموحه، بل يحتاج إلى من يفتح أمامه أبواب الأمل، ويؤكد له أن الاجتهاد والعلم والعمل قيم تحترمها الدولة وتستثمر فيها.
ولهذا، فإننا ندعو وزارة الإدارة المحلية، بكل احترام وتقدير، إلى إعادة النظر في هذه السياسة، وفتح حوار مؤسسي حولها، بما يحقق التوازن بين متطلبات الوظيفة العامة، وحق الموظف في تطوير نفسه، والاستفادة من مؤهله العلمي وفقًا للقانون والكفاءة والاحتياجات الفعلية للمؤسسات.
فمراجعة السياسات ليست ضعفًا، بل هي عنوان الدولة الواثقة بنفسها، التي تستمع للرأي، وتطور قراراتها، وتستثمر في طاقات أبنائها.
إن الأردن كان وسيبقى وطن الفرص، ووطن العلم، ووطن الإنسان.
وحين نجعل من التعليم قيمةً مضافةً في الوظيفة العامة، فإننا لا نخدم موظفًا واحدًا، بل نخدم الدولة بأكملها.
حفظ الله الأردن، قيادةً هاشميةً حكيمة، وشعبًا وفيًا، وجيشًا عربيًا مصطفويًا، وأجهزةً أمنيةً ساهرة، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وجعل العلم والعمل سبيلًا لنهضته وتقدمه
