إن الحوكمة الرشيدة (نظما وتطبيقا) هي مقياس للنزاهة العامة وضمان لسلامة القرار، فعلى سبيل المثال الأسس البريطانية وفي مقدمتها CORPORATE ACT 2006 و CORPORATE GOVERNANCE CODE فهي تربط بين الشفافية والاستقلالية والمسائلة للوصول إلى حوكمة رشيدة تحمي المؤسسة والمال العام وتصون الثقة في آن واحد.
هذا وتعد معالجة تضارب المصالح من أهم المعايير التي تكشف مدى توافر الحوكمة الرشيدة ولا يمكن اختزال التعامل مع تضارب المصالح بمجرد الإفصاح عنه، فالإفصاح خطوة أساسية لكنه يبقى خطوة أولى لا تكتمل إلا بالامتناع عن التصويت أو المشاركة في القرار عند وجود مصلحة مباشرة أو غير مباشرة للمصوت على القرار والمشارك به فما بالك بمن إتخذه بالإضافة إلى إثبات تلك المصالح في سجلات رسمية يمكن الرجوع إليها، وعندها فقط يصبح الإفصاح أداة حوكمة فعالة لا مجرد إجراء شكلي.
إن الإشكالية الحقيقية التي تواجه المؤسسات اليوم لا تكمن في غياب قواعد الإفصاح، بل في قصور تنظيمها وضعف الرقابة عليها. فالسؤال لا ينبغي أن يكون: هل أفصح المسؤول عن مصلحته،؟ بل هل جرى التحقق من الإفصاح؟ وهل مُنع من إتخاذ القرار أو المشاركة به بشكل مباشر أو غير مباشر؟
هل توجد جهة رقابية مستقلة ؟
فمثلا ال Corporate Act 2026 المشار إليه أعلاه يبرز هذا المبدأ بوضوح في واجبات المسؤول . حيث يفرض عليه واجب تجنب الحالات التي قد تتعارض بها مصلحته الشخصية مع مصلحة المؤسسة، كما يفرض الإفصاح عن المصالح في المعاملات المقترحة، وهذه القواعد لا تقوم على افتراض أن كل مصلحة خاصة تعني فساد، بل على قاعدة أن موضوع وجود المصلحة لا يصبح مقبولًا إلا إذا كُشف عنه وأُدير بطريقة تمنعها من التأثير في القرار، وهنا يظهر الفرق بين الامتثال والحوكمة. فالامتثال يعني تنفيذ المتطلبات القانونية، أما الحوكمة تعني حماية نزاهة القرار حتى وان كان لا يوجد هناك مخالفة.
أي أنه حتى لو كان القرار قانوني من الناحية الشكلية، لكنه يظل محل شك إذا شارك به شخص له مصلحة خاصة، ولا يتوقف الاهتمام البريطاني بتضارب المصالح عند فترة تولي المنصب العام فقط، بل يمتد إلى ما بعد مغادرته. كما في قضية رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون وعلاقته بإحدى الشركات بعد رئاسة الحكومة ومحاولات تواصل قام بها بعد مغادرته المنصب مع مسؤولين حكوميين لمصلحة الشركة التي كان يعمل معها.
ولذلك فإن حماية النزاهة العامة تحتاج إلى قواعد تتجاوز الإفصاح التقليدي، ووجود رقابة مستقلة تستطيع أن تقيّم المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمة ثقة عامة.
إن الخطر الحقيقي في تضارب المصالح ليس دائمًا في وجود منفعة مالية ، بل في أزمة الثقه التي تخلق لدى المواطن بأن القرار العام لم يُتخذ لمصلحة وطنه، لذلك، فإن الإصلاح لا يبدأ بزيادة نماذج الإفصاح، بل الرقابة عليها، فالإفصاح الذي لا يتبعه أثر، قد يتحول من وسيلة للحماية إلى وسيلة لتبرير الخطأ ويكتفي المسؤول بالقول : (أنا قمت بواجبي و أفصحت) .
إن الحوكمة الرشيدة لا تعني أن ننتظر وقوع الضرر ثم نبحث عن المسؤول عنه، بل أن نبني نظامًا وقائيا، يمنع المصلحة الخاصة من التأثير في القرار قبل وقوع الضرر.
وفي الختام فإن مقالتي هذه هي علمية وعملية واستنادا لأفضل الممارسات ليس أكثر ، وليست موجهة ضد أي شخص لا سمح الله، فأنا ضد إصدار أي أحكام على أي شخص إلا وفق الأطر الرسمية . أحببت مشاركة مقالتي بمناسبة تردد المصطلحات التي يتم تداولها من حين لآخر مثل الإفصاح وتضارب المصالح .. الخ، وعليه أرجو مراعاة ذلك في التعليقات وعدم التطرق للأشخاص وذمتهم .
