اعاد الواقع القاسي الذي فرضه الاحتلال على قطاع غزة الاهالي الى احضان المهن القديمة التي ظن الكثيرون انها اندثرت مع مرور الزمن. فبعد اغلاق المعابر ومنع دخول ابسط مقومات الحياة الاساسية وجد الغزيون انفسهم مضطرين لاستحضار مهارات الاجداد في التعامل مع الارض والتراب لتدبير شؤون يومهم. وتبرز اليوم ورشة صغيرة في بلدة الزوايدة وسط القطاع كشاهد على هذا التحول حيث تمتزج رائحة الطين باصوات ماكينات الفخار البدائية التي تصنع الاواني والجرار وحتى وحدات البناء.

واكد جعفر عطالله صاحب الورشة ان فقدان مصنعه العريق في حي الدرج بمدينة غزة لم يمنعه من مواصلة المسيرة في مكان نزوحه. وبين ان العمل الذي ورثه عن عائلته منذ نحو قرن من الزمان تحول من مجرد صناعة اواني الطعام والماء الى وسيلة لبناء غرف طينية توفر الحد الادنى من الكرامة والستر للعائلات النازحة. واضاف ان الطين اصبح اليوم المادة الاساسية لبناء بيوت كاملة من التبن والطين تعوض الناس عن حياة الخيام القاسية.

وكشف عطالله عن تفاصيل رحلة النزوح الصعبة حيث فقد كل ما يملك من معدات وافران ومخزون في لحظة واحدة. واوضح انه تعلم اصول هذه الحرفة وهو في السابعة من عمره ليجد نفسه اليوم يعيد بناء كل شيء من الصفر في ظروف استثنائية. وشدد على ان الحاجة الملحّة للناس هي التي دفعته لتطوير فكرة الغرف الطينية كبديل صحي وعملي يحمي الاطفال من البرد والغبار والقوارض التي تملأ اماكن النزوح.

واقع المعيشة الصعب

واشار عطالله الى ان الناس اصبحت تطلب كل ما تحتاجه للحياة اليومية من كؤوس الماء الى كراسي الحمام التي ارتفعت اسعارها بشكل جنوني في الاسواق. وبين ان الغرفة الطينية التي يعمل على انشائها اصبحت حلما للكثيرين ممن يعانون من ضيق المساحات داخل الخيام والشوارع الرملية المكتظة. واكد ان الوصول لبعض المستلزمات الصحية اصبح امرا مستحيلا بسبب غلاء الاسعار وشح الموارد مما جعل الطين خيارا اضطراريا واقتصاديا.

واظهرت المتابعة الميدانية مراحل العمل الشاقة التي تبدأ بتنقية الطين ونقعه بالماء ثم عجنه بالتبن لضمان الصلابة. واوضح عطالله ان عملية التشكيل تتطلب دقة وصبرا كبيرا خاصة في ظل غياب المواد الاساسية. واضاف ان الغرفة الواحدة تحتاج الى عشرة ايام من العمل المتواصل لتجفيف الطوب تحت اشعة الشمس ورصه بطريقة هندسية تضمن تماسك الجدران وقوتها.

واكد جعفر ان الغرفة التي تبلغ مساحتها 16 مترا مربعا توفر بيئة اكثر هدوءا وثباتا من الخيام البالية. وبين ان الطين يتميز بخصائص طبيعية تمنح المكان برودة في الصيف ودفئا في الشتاء مما يساعد العائلات على تحمل قسوة الظروف الجوية. واضاف ان استخدام اطارات السيارات القديمة في تشكيل النوافذ يعكس قدرة الغزيين على الابتكار وتطويع ما توفر من مخلفات الحرب لخدمة احتياجاتهم الاساسية.

غرفة طينية مساحتها 16 مترا مربعا

واوضح عطالله ان بناء الغرفة يتطلب مجهودا بدنيا كبيرا يبدأ من الحفر وتجهيز الاساسات لحمايتها من مياه الامطار. وبين ان الاعتماد على الموارد المحلية يقلل من تكاليف البناء في ظل الحصار الخانق. واضاف ان كل مرحلة من مراحل البناء تخضع لمراقبة دقيقة لضمان سلامة القاطنين داخل هذه الغرف التي اصبحت تشكل ملاذا امنا للعديد من الاسر.

واكد ان الفكرة لاقت اهتماما واسعا من النازحين الذين يبحثون عن جدار صلب يستندون اليه بعد سنوات من العيش تحت القماش. واضاف ان طموحه يتجاوز الغرفة الواحدة ليصل الى بناء منزل طيني متكامل يضم كافة المرافق الضرورية. وبين ان هذا المشروع يمثل محاولة جادة لتحويل حرفة تراثية الى منظومة عيش كريمة تناسب واقع النازحين وتمنحهم شعورا بالاستقرار.

واشار الى ان تكلفة الغرفة الواحدة التي تصل الى 3000 دولار تعتبر ثقيلة على العائلات لكنها تظل الخيار الافضل مقارنة ببدائل اخرى غير متوفرة. واكد ان الطلب المتزايد يعكس حجم المعاناة والحاجة الماسة لمكان يحفظ الخصوصية. واضاف ان الطين الذي كان يصنع منه الاجداد اباريق الشاي اصبح اليوم جدارا يحمي عائلات باكملها من التشرد.

ساعتان من الكهرباء

وبين عطالله ان التحدي الاكبر الذي يواجه عمله هو نقص الطاقة الكهربائية التي لا تتوفر الا لساعتين يوميا. واضاف ان الماكينات تتوقف عن العمل معظم الوقت مما يعيق الانتاج ويؤدي الى تراكم الطلبات. واكد ان ارتفاع اسعار نقل الطين وزيادة تكاليف الوقود زادا من الاعباء المالية على الورشة مما انعكس على اسعار المنتجات النهائية.

واوضح ان سعر الشاحنة الواحدة من الطين تضاعف بشكل كبير بسبب منع الاحتلال لدخول الوقود وزيوت السيارات. واضاف ان كل قطعة فخار تخرج من الورشة اليوم تحمل في طياتها قصة معاناة وصمود. وشدد على ان الورشة مستمرة رغم كل هذه العوائق لانها توفر ادوات ضرورية لا غنى عنها للناس في مراكز النزوح.

واكد عطالله في ختام حديثه ان الغرفة الطينية ليست مجرد بناء بل هي رسالة صمود وتحدي للظروف. وبين ان الناس سئموا حياة الخيام ويبحثون عن اي وسيلة لاستعادة كرامتهم. واضاف ان مشروعه سيستمر طالما ان هناك حاجة توفرها الارض وطالما ان هناك عائلات تبحث عن سقف يحميها وجدار يسند ظهورهما في ظل هذه الحرب الطويلة.