سليم النجار

قبل الحديث عن الجزء الثاني من رواية الكاتبة نرين طلعت، لا بدّ من وقفة تأمل حول ما كتبته في جنس الرواية؛ ذلك أن الجزء الأول والجزء الثاني يأخذ بعضهما بتلابيب بعض، في بناء مشروع روائي بصمته تراثية لتراث الشركس كشعب، لا أقلية، كما هو متعارف عليه في بلدان المشرق العربي، أو هكذا يُراد لنا أن نعرف.

تشكّل مشروع نرين طلعت عبر محطات عاشها الشعب الشركسي، في الوطن الأم أو في الشتات، وفي كلتا الحالتين بقيت الروائية محافظة على كتابة إرث الشركس.

يقدّم المشروع الروائي لدى نرين طلعت التاريخ بعيدًا عن التخييل، أو ما يُسمى بالتخييل التاريخي، الذي يبحث عن الواقع، ثم يتم تبييض هذا التاريخ تحت عنوان كتابة سرد روائي مزيف، ويُرفد بثقافة خادعة لبناء عالم روائي مبني على الأوهام.

يمكن القول إن الجزءين الأول والثاني من مشروع روايات نرين طلعت يتسمان بوحدة النَّفَس الروائي والرهانات الثقافية التي تسعى إلى ترسيخها لدى القارئ. فالرواية لديها نسيج متماسك يرصد تراث الشركس، وبوصف أن الحياة لديهم ما زالت تحتفظ بأحقيتهم في هويتهم، فقد لعب السرد بالذات المثقفة المهتمة بالتاريخ، وبالأسئلة المتعلقة بالشأن الديني وأسئلة الهوية المشكلة للنسيج المجتمعي للشركس.

تتنوع المقاربة الروائية بشكل يرتبط عضويًا بطبيعة الموضوع الذي تتمحور حوله الرواية؛ فأحيانًا يكون التاريخ رافعةً لفسح المجال للتخييل، لمدى العذابات التي تعرض لها الشركس، وحينًا آخر تحتاج الرواية إلى بحث دقيق.

إن الشبكة من الدلالات الرمزية تتواتر بشكل جلي وضمني في أحداث الرواية: «أيا كان هذا الزائر، لا بدّ أنه سيُخرج إيقاع الحياة من الرتابة اليومية، وسوف يكون قدومه حدثًا مبهجًا، دون شك.» (ص٧).

إن الرواية التي تطير على كتف التاريخ تنطوي على بُعد رمزي يكثف مجموعة من الدلالات، سترخي بظلالها على عالم الرواية، وعلى الأحداث وطبيعة الشخصيات، التي تشكل الأبعاد الفكرية والروحية التي تسعى الرواية إلى ترسيخها في ذهن القارئ. قارئ يدهشه المخطط السردي، واللغة الروائية البعيدة كل البعد عن التعقيد، بل إنها تنهل من المعجم الاجتماعي للواقع. فالتلقي المأمول لهذه الرواية يفترض أن يكون مطلعًا على معاناة الشعوب التي تعرضت للتهجير والنفي، وقد استطاعت نرين، بهذا التوظيف للغة، فك شيفرة نص التهجير، إن جاز لي التعبير أو التوصيف، والإمساك بخيوط النسيج لمجتمع الشركس، بحنكة الخبيرة التي جمعت بين التجربة والكتابة.

وقد تجلى ذلك في سلاسة عرض تفاصيل حياتية للشركس: «والله، كان لدى الشركس حِرَف كثيرة رائعة وجميلة، لكنها اندثرت شيئًا فشيئًا. لم يستمر تعليمها من جيل إلى جيل؛ لأن الطلب عليها قليل جدًا.» (ص١١).

ويتشكل هذا التراث الحرفي من مركبين إضافيين، فُصل بينهما لفظ جيل، الذي ينطوي على معانٍ عديدة، منها: قلة الطلب على هذه الحرف نتيجة التهجير، التي ستذكرها الكاتبة وتحملها في طيات السرد: «ولكن، وبسبب أن الروس القياصرة اتبعوا في حربهم ضد الشركس أسلوبًا ومنهجًا يقوم على مبدأ روسي استعماري اتبعته روسيا في كثير من حروبها، هو حرق الزرع والضرع، وهو الذي دمر اقتصاد شركيسيا.» (ص٢٠).

إن هذا المركب يستلزم منا التوقف عند مرحلته الدلالية، التي تحيل إلى فضاءات متعددة، من الفراق وتشتيت الشركس ومحاولة طمس هويتهم: «وكأن عليه الاختيار؛ فإما أن يكون شركسيًا أو أن يكون مسلمًا. هذا التناقض الذي يوقعنا فيه أمثال هؤلاء أكبر تحدٍّ، وأكبر عامل تمزيق وتدمير للهوية الشركسية من داخلها؛ إذ يخلق هذا التناقض الوهمي، بينما المسلم البوسني أو التركي لا يقع في هذا التناقض.» (ص٢٨).

إن رواية “شيركسيا” تندرج، من حيث نوعها، ضمن روايات البعد الروحي، حيث نتتبع فيها تطور الشخصية باتجاه فهم العالم والذات، وكل محكي سارد يُنجز عبورًا ومرورًا للتاريخ: «حوادث التاريخ عن الشركس والأتراك والروس والتتار والمغول والجورجيين وشعوب أخرى كثيرة… كنت أستمتع بسماع تلك القصص.» (ص٣٥).

وتتميز الرواية الروحية بقدرتها على تأهيل مزدوج للشخصية الروحية داخل الرواية: «أرغب بكل شوق أن أذهب إلى عاصمة الفرنسيين لأدرس الفلسفة والتاريخ مثلك. أريد أن أطبق كل ما أتعلمه على تاريخنا الشركسي؛ لأعرف من نكون، وما هي حقيقتنا!» (ص٦٠).

إذا كان الشكل الروائي من العلامات الدالة على الارتباط بالموضوع، وأنه يعكس جوهره، فإننا لا نعدم مجموعة من الإجراءات الروائية التي ينعكس فيها المحتوى بشكل ملائم: «خلال حرب القرم كانت الظروف أكثر من مناسبة لتحقيق انتصارات للعثمانيين على الروس عبر الشركس.» (ص٩٥).

تبقى رواية نرين طلعت تروي سردًا عن رواة حقيقيين، يأبون الظهور إلا عن طريق الراوية، وهذا النسق الجمالي والفني يعتمد على الحديث، لتشييد معمار تشكيلي يطل على مناخ قصصي مترابط. وهذه المحكيات الإخبارية شكلت بؤرة الرواية. صحيح أن هناك قصصًا متفرقة، وأخبارًا متناثرة، إلا أنها يجمعها تاريخ واحد، وزمن متواصل، على الرغم من تباعد هذا الزمن؛ فالحقيقة هي الزمن الذي سعت الكاتبة إليه: «كلمة شركس تمتد في عمق التاريخ، فقد استعملها اليونانيون بلفظ (كاسك) و(كاسوغ) في فترة ما قبل الميلاد اسمًا لإحدى القبائل الشركسية.» (ص١١٠).

إن المتابع لرواية نرين طلعت، لا من حيث بنيتها السردية، ولا من حيث تشكيلها الجمالي، وإنما من حيث أنساقها الثقافية، يدرك أن الشعب الذي يعيش الحب، ويعتبره جزءًا من ثقافته، لا يمكن أن يتمظهر في صورة قطاع طرق أو ما شابه ذلك، بل هو شعب يعرف الحياة بكل أشكالها وألوانها: «الأساطير والملاحم، ويغني أغاني الحب، ويتشدى الـ(غبزه). والـ(غبزه) هي قصائد شعرية ترثي الأشخاص الطبيعيين والأسطوريين، أو ترثي المدن والأرياف، وتروي أحداثًا مؤلمة أو حزينة مرت على الشركس.» (ص٢١٩).

رواية “شيركسيا: قصة حب وصلوات الغائب”، في جزئها الثاني، جعلت القارئ يعيش المشهد بوصفه فردًا، ومع صلوات الغائب لم يعد هو الفرد، وإنما موكب من البشر؛ هم أصيلون، وغير قابلين للتقليد، أو الإلغاء، أو الإقصاء